تحقيق: حلا ماضي
قبل دقائق من مشاهدة هبوط الطائرة الآتية من أستراليا عبر شاشات المطار، كان أنطوني يعيد ترتيب باقة الورد للمرة الأخيرة. لم تكن باقة عادية، بل اختارها بعناية لتشبه خطيبته التي تعمل في تنسيق الورود وبيعها. ابتسامته التي لم تفارق وجهه كانت تكشف أن دقائق الانتظار أصبحت أثقل من رحلة امتدت آلاف الكيلومترات.
وسط الزحام، لم يكن يرى سوى الباب الزجاجي الذي سيخرج منه الحب بعد غياب طويل. أما اللقاء، فلم يكن مجرد استقبال مسافر، بل بداية حياة جديدة، فقد قرر هو وخطيبته أن يكون زفافهما في لبنان، ليبدأ مشوارهما الزوجي من الوطن الذي لم تنجح سنوات الاغتراب في انتزاعه من قلبيهما.
قصة أنطوني ليست استثناءً، بل واحدة من عشرات القصص التي تتكرر يوميا في مطار رفيق الحريري الدولي – بيروت، حيث تتحول صالة الوصول خلال الصيف إلى لوحة إنسانية تختلط فيها الدموع بالضحكات، والحنين بالفرح.
منذ ساعات الصباح وحتى منتصف الليل، تحتشد العائلات خلف الحواجز الحديدية. أطفال يحملون الورود، وأمهات يراقبن شاشة الرحلات بلهفة، وآباء يخفون دموعهم خلف ابتسامات عريضة، فيما يرفع أصدقاء لافتات كتبوا عليها عبارات الترحيب، وكأنهم يريدون اختصار سنوات الغياب بكلمات قليلة.
وما إن تُفتح أبواب الخروج، حتى تتوقف عقارب الوقت. عناق طويل، ودموع صامتة، وضحكات عالية، وحقائب تتوارى أمام دفء اللقاء. هناك، لا يحتاج المشهد إلى تعليق، فالمشاعر تتولى سرد الحكاية.
ولا تنتهي فرحة العودة عند بوابة المطار، بل تبدأ منها. في الطريق إلى القرى والمدن، تستعاد الحكايات المؤجلة، بينما ينتظر أفراد آخرون من العائلة استقبالا ثانيا في المنازل، حيث تمتد السهرات حتى ساعات الفجر، وكأن الجميع يحاول تعويض أشهر أو سنوات من الغياب في ليلة واحدة.
وفي مكاتب إدارة المطار، تكشف الطلبات المتزايدة للحصول على تصاريح لإدخال فرق الزفة جانبا آخر من ثقافة اللبنانيين. فالبعض يصر على أن يكون استقبال ابنه أو ابنته أو عريسه احتفالا كاملا، تتقدمه الطبول والأغاني والزغاريد، في مشهد يعكس تمسك اللبنانيين بطقوس الفرح مهما اشتدت الظروف.
هذه الصور الإنسانية تأتي بعد أشهر صعبة عاشها لبنان، حين دفعت التطورات الأمنية عددا من شركات الطيران العالمية إلى تعليق رحلاتها إلى بيروت، ما أثار مخاوف من موسم سياحي باهت وصالات وصول شبه خالية.
لكن ما حدث كان معاكسا لكل التوقعات، فالمغترب اللبناني أثبت مرة جديدة أن علاقته بوطنه لا تحكمها الظروف. يعود ليزور أهله، ويطمئن على منزله، ويشارك في الأعراس والمناسبات، ويزرع في أبنائه الذين ولدوا بعيدا عن لبنان شعور الانتماء إلى أرض الآباء والأجداد.
ولم تكن العودة مجرد مشهد عاطفي، بل ترجمتها أيضا لغة الأرقام. فقد بلغ عدد الوافدين إلى لبنان خلال شهر حزيران الماضي 437,057 وافدا، مقابل 284,869 مغادرا عبر مطار رفيق الحريري الدولي – بيروت، فيما سجلت الأيام الستة الأولى من شهر تموز وصول نحو 85 ألف وافد، في مؤشر واضح إلى الزخم الذي يشهده موسم العودة. وأعداد الوافدين لا تعني انتعاش المطار فحسب، بل تشكل إلى حد ما رافعة للاقتصاد اللبناني، إذ تنشط معها الفنادق والمطاعم والمقاهي وشركات تأجير السيارات والأسواق التجارية، كما تستعيد القرى والبلدات حيويتها مع عودة أبنائها المنتشرين في العالم.
غير أن الأثر الأهم يبقى إنسانيا، فكل رحلة تصل إلى بيروت تحمل معها قصة مختلفة، أم تحتضن ابنها بعد سنوات، وجد يلتقي أحفاده للمرة الأولى، وخطيبان يبدآن حياتهما من الوطن، أو مغترب يعود فقط ليؤكد أن جذوره ما زالت هنا.
في مطار بيروت، لا تُقاس حركة الطيران بعدد الرحلات فقط والتي سجلت هبوط2737 طائرة خلال شهر حزيران المنصرم، بل بعدد القلوب التي تجد طريقها إلى الوطن. فصالة الوصول ليست مجرد محطة سفر، بل مساحة تختصر معنى الانتماء، وتؤكد أن لبنان، مهما أثقلته الأزمات، يبقى المكان الذي يعود إليه أبناؤه، لأن بين الإنسان ووطنه حنينا لا تستطيع المسافات ولا الظروف أن تطفئه.
مطار بيروت… صالة الوصول التي تنتصر على الغياب
