الراعي: لبنان يحتاج سلامًا ثابتًا

وطنية – ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد في كنيسة السيدة، في الصرح البطريركي في بكركي عاونه فيه النائب البطريركي المطران انطوان عوكر، أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، أمين سر البطريرك الخاص الأب كميليو مخايل، في حضور رئيس المجلس التنسيقي المسيحي الدكتور فؤاد ابو ناضر، رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق جان فهد،السيد إيلي ابي طايع ، رابطة كروس رود”درب الصليب”برئاسة رئيس الرابطة روكز بو مسلم ،وحشد من الفعاليات والمؤمنين. 

وقال: “تحتفل الكنيسة المارونية اليوم بذكرى تجديد الهيكل وتكريسه، فيكشف الرب يسوع أنّ التجديد الحقيقي لا يقتصر على الحجارة والمظاهر والطقوس، بل يبلغ أعماق الإنسان، ويمنح حياته معنى جديدًا. في هذا المناخ، دار حوار بين يسوع واليهود الذين طالبوه بإعلان هويته المسيحانية صراحةً. فأجابهم أن أعماله التي يصنعها باسم أبيه تشهد له، غير أنهم لم يؤمنوا بكلامه. ثم أعلن حقيقة علاقته بالآب قائلًا: «أنا والآب واحد». وبين رفض البعض وإيمان آخرين، تجلّت حقيقة المسيح الذي جاء ليمنح العالم حياةً جديدة، ويقيم الكنيسة جماعةً مؤمنة تحمل رسالته وتواصل عمله الخلاصي. فالمسيح لم يأتِ ليجدّد ما يحيط بالإنسان فحسب، بل ليجدّد الإنسان نفسه، ويجعل من حياته طريقًا إلى الله.”

وتابع: ” يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا، مع تحيّة خاصّة لرابطة كروس رود – أي “درب الصليب”. تضمّ الرابطة أشخاصًا من خلفيات حزبية وسياسية مختلفة، وكانوا من بين الذين خاضوا الحرب دفاعاً عن الوجود المسيحي في لبنان. لكن ما جمعهم بعد الحرب لم يكن الانتماء الحزبي، بل الجرح الواحد، والمعاناة المشتركة، والإيمان بأن الإنسان لا يُترك وحيداً في مواجهة آلامه. لقد استطاع هؤلاء الأشخاص، بالرغم من إعاقتهم وجراحهم، أن يمدّوا يد المساعدة إلى رفاقهم، وأن يؤسسوا شبكة من التضامن والوفاء، في وقت عجزت فيه الأحزاب، على اختلافها، عن جمع هؤلاء الرفاق حول احتياجاتهم الإنسانية والمعيشية والصحية. ورغم الصعوبات المادية والمعنوية التي واجهتهم، استمرت مسيرتهم، مستمدين قوتهم من شعلة الإيمان والأمل، ومن قناعتهم بأن التضامن ليس شعاراً يُرفع، بل فعل محبة ومسؤولية يُمارس كل يوم. ذلك منذ تأسيس الرابطة سنة 1995. ولا تزال تواصل رسالتها، من خلال تأمين الاحتياجات الطبية والأدوية للرفاق، ومتابعة أوضاعهم الصحية، وتنظيم الفحوص الطبية الدورية، والوقوف إلى جانب كل من يحتاج إلى مساعدة أو رعاية.

وقال: ” يعقد مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان دورته السنوية نهار الغد التي تدوم أسبوعًا، وقد تسلّم رسالة “صرخة من القرى المسيحية الحدودية الخمس في الجنوب: رميش ودبل وعين إبل وعلما الشعب والقوزح”. وفي هذه الرسالة عشرة مطالب ملحّة ومحقّة. إنّنا نؤكّد لأهلنا هناك أنّ صرختهم وقعت في ضمائرنا وقلوبنا كرعاة للكنيسة، وأنّها ستحتلّ حيّزًا كبيرًا من مداولاتنا. إنّنا نسأل أبناء كنائسنا مرافقتنا بصلواتهم.”

واضاف: ” يحمل إلينا أحد تجديد البيعة حقيقةً أساسية في الإيمان المسيحي: أن يسوع المسيح جاء ليجدّد الإنسان والعالم بنعمة الخلاص، إذ يقول في سفر الرؤيا: «ها أنا أصنع كلَّ شيءٍ جديدًا» (رؤيا ٢١: ٥). إن الجديد الذي يحقّقه الله يبدأ من القلب، ويمتدّ إلى الحياة والعلاقات والجماعة المؤمنة. لقد جاء المسيح ليكشف محبة الآب، ويصالح الإنسان مع الله، ويحرّره من الخطيئة، ويفتح أمامه طريق الحياة الأبدية. والجديد الذي حمله لم يكن تعليمًا أخلاقيًا فحسب، بل حياةً جديدة تقوم على الإيمان به والاتحاد معه. ومن أعظم ثمار هذا التجديد تأسيس الكنيسة، التي أرادها المسيح جماعة المؤمنين به، جسده السرّي، وعلامة حضوره ورسالته الخلاصية في العالم. وتتجلّى حقيقة الكنيسة في ثلاثة أبعاد مترابطة: الكنيسة السرّ، والكنيسة الشركة، والكنيسة الرسالة.  فالكنيسة السرّ، هي جسد المسيح السرّي الذي نصبح أعضاء فيه بالمعمودية، فنولد للحياة الجديدة، ونشترك في موت المسيح وقيامته، وندخل في علاقة بنوية مع الله. والكنيسة الشركة، تجمع المؤمنين في الاتحاد بالله والوحدة فيما بينهم.والكنيسة الرسالة، مؤتمنة على البشارة التي تسلّمتها من المسيح أعني: إعلان الإنجيل، والشهادة لموته وقيامته، والدعوة إلى التوبة والخلاص. الكنيسة مدعوّة لتشهد للمسيح بأعمالها، ولتجعل من المحبة والرحمة والحق حضورًا حيًّا للإنجيل في العالم. هذا هو الجديد الذي حمله المسيح إلى العالم: حياة تتجدّد بنعمته، وكنيسة تحيا بالإيمان، وتتّحد في المحبة، وتنطلق برسالة الخلاص. تجديد الكنيسة لا يعني تغيير إيمانها أو التخلّي عن تقليدها الرسولي، بل العودة المتواصلة إلى المسيح، وإحياء الأمانة لكلمته، وتعميق الوحدة والمحبة بين أبنائها. فحياتنا المسيحية كلّها مسيرة تجدّد: بالتوبة يتجدّد القلب، وبالمغفرة تتجدّد العلاقات، بالمصالحة تتجدّد الشركة، وبالمحبة تتجدّد الحياة. عيد التجديد لا يُحصر بالروحيات، بل ينطبق أيضًا على الحياة الوطنية والدولة. فلبنان أحوج ما يكون إلى إصلاح يعيد إلى المؤسسات انتظامها، وإلى القانون هيبته، وإلى الخدمة العامة معناها، وإلى المواطن ثقته بأن ما يتغيّر في وطنه يمكن أن يتغيّر فعلًا نحو الأفضل.”

وقال: “ما شهدناه هذا الأسبوع عن الكهرباء والمرافق العامة يكشف جانبًا واضحًا من الخلل. أن يصل قطع التيار إلى إدارات ومؤسسات عامة، وخدمات واتصالات بسبب مستحقات متراكمة، هذا يعني أن المواطن يبقى في النهاية الحلقة التي تدفع ثمن سوء الانتظام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *