لا تقتصر تداعيات فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية الأميركية على إضعاف الرئيس دونالد ترامب في الداخل، أو تقييد حركته في ملفات السياسة الخارجية. فثمة ملف آخر قد يستعيد مكانته في النقاش السياسي الأميركي، بعدما تراجع لمصلحة المقاربة الأمنية التي طبعت التعاطي مع الحرب في غزة: مستقبل القضية الفلسطينية، وإمكان العودة إلى مشروع حل الدولتين.
لا يعني ذلك أن واشنطن مقبلة على تغيير فوري في سياستها، أو أن الكونغرس الجديد سيتمكن من فرض مسار سياسي على إدارة ترامب. فالرئيس لا يزال يمتلك صلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية، ولا تستطيع الأغلبية الديمقراطية وحدها إلزامه بتبني مقاربة مختلفة. لكن التحول في ميزان القوى داخل الكونغرس، بالتزامن مع التغير المتدرج في مواقف قطاعات واسعة من الحزب الديمقراطي، قد يفتح الباب أمام إعادة طرح الملف الفلسطيني بشروط أكثر وضوحاً، ولا سيما في ما يتعلق بالاستيطان، والمساعدات العسكرية للاحتلال الإسرائيلي، وحقوق الفلسطينيين السياسية.
والأهم أن هذا التحول لا يرتبط فقط بصعود الجناح التقدمي داخل الحزب. فالنقاش بشأن العلاقة مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي لم يعد محصوراً في مجموعة من النواب الأكثر انتقاداً لها، بل امتد إلى شخصيات من التيار الديمقراطي الوسطي، باتت أكثر استعداداً لمساءلة سياسات “إسرائيل”، والبحث في إمكان ربط المساعدات الأميركية بشروط تتصل بسلوك حكومتها. وقد أظهرت مواقف وتصويتات سابقة اتساع هذا الاتجاه، حتى بين شخصيات لا تدعو إلى إنهاء التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي.
وتعزز نتائج الانتخابات هذا المسار، مع دخول أصوات تقدمية جديدة إلى مجلس النواب، بعضها يتبنى مواقف أكثر تشدداً حيال المساعدات العسكرية، ويطالب بإنهاء الدعم غير المشروط للحكومة الإسرائيلية. لكن من الخطأ اعتبار هذه الأصوات ممثلة للموقف الديمقراطي كله، إذ لا تزال داخل الحزب تيارات تدافع عن التحالف الاستراتيجي مع “إسرائيل”، وتتحفظ على وقف المساعدات، وإن كانت أكثر انتقاداً لسياسات حكومة بنيامين نتنياهو.
ومن هنا، قد يكون التأثير الأبرز للنتائج في المرحلة المقبلة هو نقل النقاش من حدود إدانة الممارسات الإسرائيلية إلى البحث في الأدوات السياسية والمالية القادرة على التأثير فيها. فالكونغرس يستطيع تنظيم جلسات استماع، وطلب تقارير من الإدارة، ومراجعة صفقات السلاح، وطرح تشريعات تتعلق بالاستيطان أو بالمساعدات. كما يمكنه جعل استمرار الدعم الأميركي موضع نقاش علني أكثر صعوبة على البيت الأبيض، حتى إذا لم يتمكن من فرض تغيير شامل في السياسة التنفيذية.
لكن إحياء مشروع “حل الدولتين” يحتاج إلى ما هو أبعد من تقييد المساعدات أو زيادة الضغط على الحكومة الإسرائيلية. فالمشكلة الأساسية لا تكمن في غياب الصيغ السياسية، بل في غياب الإرادة القادرة على تحويلها إلى مسار تنفيذي. وقد أظهرت السنوات الماضية أن الاعتراف النظري بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم لا يمنع استمرار الوقائع التي تقوّض إمكان قيامها، من التوسع الاستيطاني وتقطيع أوصال الضفة الغربية، إلى إضعاف السلطة الفلسطينية وغياب الأفق السياسي في غزة.
وفي هذا السياق، يبرز “مجلس السلام” الذي أطلقه ترامب بوصفه اختباراً إضافياً. فقد نجحت الإدارة الأميركية، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية، في تثبيت وقف إطلاق النار، وإعادة الأسرى، وإنشاء “مجلس السلام”، وتشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية لتسيير شؤون غزة، إلى جانب إعداد خطة للتعافي وإعادة الإعمار. كما تتحدث الخطة الأميركية عن إدارة فلسطينية جديدة، وترتيبات أمنية، ونزع سلاح “حماس”، وانسحاب إسرائيلي تدريجي، وقوة استقرار دولية.
هذه الخطوات، إذا استكملت، قد توفر مدخلاً لمعالجة الوضع الإنساني والإداري والأمني في القطاع، لكنها لا تشكل بحد ذاتها مشروعاً لإقامة دولة فلسطينية. فإدارة غزة لا تجيب عن سؤال السيادة، ولا عن وحدة الأراضي الفلسطينية، ولا عن مستقبل الضفة الغربية والقدس الشرقية، ولا عن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. كما أن إعادة الإعمار، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً من حل سياسي يحدد طبيعة العلاقة بين الفلسطينيين و”إسرائيل”.
وهنا قد يظهر التباين بين مقاربة ترامب ومطالب الديمقراطيين. فالإدارة الحالية تركز على تثبيت ترتيبات أمنية وإدارية في غزة، ومنع عودة الحرب، وإعادة الإعمار ضمن صيغة تشترط نزع سلاح “حماس”. أما داخل الحزب الديمقراطي، فثمة اتجاه متنامٍ يرى أن استقرار القطاع لا يمكن ضمانه من دون أفق سياسي للفلسطينيين، وأن معالجة غزة بمعزل عن الضفة الغربية والقدس الشرقية ستبقي أسباب الصراع قائمة.
ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن الديمقراطيين سيحوّلون “مجلس السلام” إلى أداة لإقامة الدولة الفلسطينية، أو أنهم يمتلكون تصوراً موحداً للمرحلة التالية. فقد يتركز ضغطهم على ضمان الحقوق المدنية والإنسانية للفلسطينيين، ومنع التهجير، وتقييد الاستيطان، وتحسين شروط إعادة الإعمار، من دون الوصول إلى توافق على آليات فرض حل الدولتين أو توقيته. كما أن بعضهم قد يدعم استمرار مجلس السلام باعتباره إطاراً عملياً لإدارة المرحلة الانتقالية، مع المطالبة بتوسيع مهمته السياسية.
في المقابل، تواجه أي محاولة لإعادة إحياء الحل عقبات إسرائيلية واضحة. فحكومة الإسرائيلي الإسرائيلي، وتحديداً القوى اليمينية التي تشكل ركيزتها، لا تبدي استعداداً لقبول دولة فلسطينية ذات سيادة، فيما تواصل سياسات الاستيطان وتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية. وقد يزداد التوتر مع واشنطن إذا حاول الكونغرس الجديد ترجمة مواقفه إلى إجراءات تتجاوز الانتقاد السياسي، وخصوصاً إذا مسّت المساعدات العسكرية أو التعامل التجاري مع المستوطنات.
أما السلطة الفلسطينية، فتواجه بدورها تحديات تتصل بشرعيتها وأدائها وقدرتها على استعادة دور سياسي وإداري موحد. ولا يمكن بناء مشروع دولة على مجرد رفض السياسات الإسرائيلية أو التعويل على تبدل الموقف الأميركي، إذ يحتاج الأمر إلى مؤسسات فلسطينية قادرة على إدارة المرحلة، وإلى توافق داخلي يحدد طبيعة المشروع الوطني وأدواته.
من هذه الزاوية، لا تبدو نتائج الانتخابات الأميركية تحولاً حاسماً في مسار القضية الفلسطينية، لكنها قد تشكل بداية تغيير في البيئة السياسية التي تتحرك ضمنها. فالمسألة لم تعد مقتصرة على مدى استعداد واشنطن للدفاع عن “إسرائيل”، بل باتت تشمل أيضاً حدود هذا الدعم، وشروطه، وموقع الحقوق الفلسطينية في أي تسوية مقبلة.
وبين “مجلس سلام” يتولى إدارة مرحلة ما بعد الحرب، وكونغرس ديمقراطي يسعى إلى إعادة فتح ملفات الدعم والمساءلة، يبقى الفارق كبيراً بين إعادة إعمار غزة وإعادة بناء المسار السياسي للقضية الفلسطينية. الأول بدأ يأخذ شكلاً مؤسسياً، أما الثاني فلا يزال ينتظر توافقاً أميركياً وإسرائيلياً وفلسطينياً لم تتوافر شروطه بعد.

