كشفت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية عن تقديرات استخباراتية سرية تشير إلى قدرة إيران على تحمل تداعيات هجوم أميركي جديد لأشهر، مع تحديد ثلاثة مسارات محتملة للرد الإيراني.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي مطلع على تقييمات سرية حديثة لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، أن إيران تمتلك مخزونات من المواد الغذائية والوقود تكفي لعدة أشهر، ما قد يساعدها على امتصاص آثار حملة عسكرية جديدة يهدد الرئيس دونالد ترامب بشنها.
وحددت التقييمات ثلاثة مسارات محتملة للرد الإيراني، تشمل فرض مزيد من القيود على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وتنفيذ هجمات عنيفة ضد أهداف أميركية في أنحاء العالم، وشن عمليات إلكترونية تستهدف منشآت ومصالح داخل الولايات المتحدة.
اتصالات فانس والوساطة القطرية
وأفادت الصحيفة بأن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس تواصل مع مسؤولين إيرانيين لعرض مساعدات إنسانية وطبية، بموافقة ترامب، الذي نفى في الوقت نفسه تكليف نائبه باستئناف مفاوضات السلام مع طهران.
وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” قد كشفت أن فانس بعث رسالة إلى محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني والقائد السابق لـ”الحرس الثوري”، فيما لم يقدم البيت الأبيض تفاصيل بشأن مضمون العرض الإنساني أو إمكانية أن يمهد لاستئناف المحادثات السياسية.
وسبق أن قاد فانس محادثات أميركية مع الإيرانيين لإنهاء الحرب، بينها مفاوضات مباشرة جرت في باكستان خلال نيسان/ أبريل الماضي، قبل انهيار مذكرة تفاهم بشأن وقف مؤقت لإطلاق النار.
وفي موازاة هذه الاتصالات، نقلت “واشنطن بوست” عن مسؤولين مطلعين على المفاوضات أن جهود الوساطة القطرية بين واشنطن وطهران تكثفت خلال الأسابيع الأخيرة، وأن المحادثات تشهد زخماً إيجابياً أكبر مما شهدته منذ أشهر، رغم استمرار التهديدات باستئناف الضربات الأميركية والإسرائيلية.
وأوضح دبلوماسي رفيع مشارك في المناقشات أن الوسطاء القطريين يعملون على اتفاق يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية مقابل رفع الحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية.
وتتمثل العقبة الرئيسية في ترتيب تنفيذ التنازلات، إذ تطالب واشنطن بأن تقدم إيران التزامات مسبقة، بينها فرض قيود على برنامجها النووي، بينما ترفض طهران تقديم هذه التنازلات قبل الحصول على مقابل أميركي.
47 مليار دولار كلفة الحرب
وفي كشف آخر، اطلعت الصحيفة على وثيقة عسكرية أميركية تُظهر أن كلفة الحرب على إيران تجاوزت 47 مليار دولار حتى منتصف تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، بزيادة تتجاوز ثلاثة مليارات دولار خلال الأسابيع الأخيرة.
وبحسب الوثيقة التي أعدتها القيادة المركزية الأميركية، بلغت كلفة الذخائر التي استخدمتها القوات الأميركية منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/ فبراير الماضي نحو 29 مليار دولار، فيما وصلت خسائر المنصات العسكرية، بما فيها الطائرات المقاتلة، إلى ستة مليارات دولار.
ولا تشمل هذه الأرقام الأضرار التي لحقت بالقواعد الأميركية في المنطقة، ولا سيما المنشآت العسكرية في الخليج التي تعرضت لهجمات إيرانية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
ودفعت النفقات المتصاعدة وزارة الحرب الأميركية إلى إعادة توزيع مليارات الدولارات ضمن موازنتها الحالية لتغطية تكاليف العمليات والانتشار العسكري المستمر في الشرق الأوسط.
وأشارت الصحيفة إلى أن واشنطن تحتفظ بحاملتي الطائرات “جورج واشنطن” و”جورج إتش دبليو بوش” في المنطقة، فيما تتجه حاملة ثالثة هي “ثيودور روزفلت” إلى الشرق الأوسط، إلى جانب انتشار أكثر من 2500 جندي لتشغيل منظومات الدفاع الجوي “ثاد” و”باتريوت”.
غضب بحريني وموقف عماني
وفي جانب لافت من التقرير، كشفت الصحيفة عن تزايد القلق في البحرين من احتمال تجدد الهجمات الإيرانية، بعدما تعرضت القاعدة البحرية الأميركية في المملكة لأضرار كبيرة خلال الضربات الانتقامية السابقة.
وأوضحت أن الغالبية العظمى من أفراد البحرية الأميركية العاملين في القاعدة جرى إجلاؤهم، فيما أقر مسؤولون كبار بأن مستقبل المنشأة بات غير واضح.
ونقلت عن قيادي في المعارضة البحرينية، طلب عدم الكشف عن هويته لحساسية الموقف، اتهامه ترامب بإقحام البحرين في الحرب ثم التخلي عنها، معرباً عن استيائه من تقارير تحدثت عن إرسال واشنطن منظومة دفاع جوي إضافية من طراز “باتريوت” إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، بدلاً من البحرين أو دول الخليج الأخرى.
وقال القيادي البحريني، بحسب الصحيفة: “نرى أين تذهب المساعدات الأميركية، ونعرف أننا لم نستفد منها”.
وفي السياق ذاته، أبرزت الصحيفة دعوة وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، إلى إنشاء منظومة أمنية إقليمية تشمل إيران ولا تعتمد على القوى الخارجية، مؤكداً خلال محاضرة في جامعة كامبريدج أن دول الخليج تتحمل مسؤولية إقامة ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة.
وتأتي هذه التطورات قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي المقررة في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، وسط ضغوط داخلية على إدارة ترامب بسبب ارتفاع أسعار الوقود والسلع المرتبط بإغلاق مضيق هرمز.
وكان ترامب قد توقع عند بدء الحرب انتهائها خلال نحو خمسة أسابيع، إلا أن إدارته لم تتمكن من التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار بالشروط التي تطالب بها واشنطن، فيما لوح باستئناف الهجمات على إيران بعد الانتخابات.

