قبل صياح الديك أربعةُ مواطنين وربما أكثر كانوا يُستشهدون واكثر من عشرين آخرين يُصابون مضرَّجين بدمائهم نتيجة عدوان اسرائيلي كان لمنطقة النبطية الحصّةُ الأكبر فيه. غاراتٍ حربيةً نفذها الطيرانُ المعادي في الصباح الباكر حيث ألقى صواريخه الثقيلة على مناطق سكنية في مدينة النبطية وبلدة كفررمان وصولاً الى عربصاليم التي استعاد فيها العدو لغة الإنذارات والخرائط الحمراء.
لم تَنَلِ الغارات من البشر فقط بل أصابت الحجر أيضاً … منازلَ فخمة وفِللاً جميلة ومباني ذاتَ معالمَ أثريةٍ وتاريخيةٍ وحضارية دمرتها الصواريخُ وحوّلتها الى أثَرٍ بعد عين. وفي القاموس العدواني الاسرائيلي لا استثناء للصروح الطبية. هكذا كانت الحال مع مستشفى غندور في النبطية الذي سوّته الصواريخ بالأرض في انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي. اكثر من ذلك… المؤسساتُ الحكومية والرسمية هي الأخرى كانت هدفاً للعدوان الصباحي… وزارةُ المالية مثالٌ صارخ بعدما أصيب مبناها في النبطية بأضرار كبيرة.. ومن ألطافِ العناية الإلهية أن الاعتداء وقع فيما لم يكن الموظفون في المبنى.
هذه العدوانية الاسرائيلية وضعها رئيس مجلس النواب نبيه بري في سياق السباق الى الانتخابات الاسرائيلية المقبلة مؤكدا أن إسرائيل بكل مستوياتها السياسية والعسكرية ماضية في تحويل الجنوب وأهله وممتلكاتهم إلى صندوق اقتراع بالدم ولأنها متفلتة من كل القواعد والاتفاقات والتفاهماتيشدد الرئيس بري على أن إسرائيل تثبت بالدليل القاطع أنها لم تلتزم بأي صيغ من صيغ وقف إطلاق النار وانطلاقا من المسؤولية الوطنية دعا رئيس المجلس الى اعتبار الجنوب قضية كل اللبنانيين والدفاع عنه هو دفاع عن لبنان.
على جبهة أخرى من العدوان تتوالى فصول المجزرة الاسرائيلية بحق البنية العمرانية في القرى المحتلة أو الواقعة عند تخومها. وامتد آخر فصول هذه المجزرة من بني حيان وزوطر الشرقية ودير سريان وميس الجبل الى المنصوري التي كانت شاهدةً على اربعة عشر تفجيراً خلال بضع ساعات فقط. ومن خلال هذه التفجيرات وأعمال التجريف والتوغلات والسيطرة بالنار تتسع دائرة العدوان باتجاه مناطق وقرى أبعد من حدود الاحتلال المباشر المسمّاة الخط الأصفر. ومع ذلك تحدثت مصادر أمنية اسرائيلية لوسائل الإعلام العبرية عن قيام جيش الاحتلال بدرس استبدال هذا الخط الأصفر الذي يتراوح عمقه بين ثمانية وعشرة كيلومترات بخطٍّ آخَرَ رماديٍّ يقلِّص الرقعة المحتلة الى ما بين ثلاثة واربعة كيلومترات. وربطت المصادر نفسها تنفيذ هذه الخطة باستكمال تدمير الأنفاق في علي الطاهر واشارت الى انها لم تُطرح بعد على المستوى السياسي الاسرائيلي.
وفي سياق متصل صرح وزير الحرب الاسرائيلي يسرائيل كاتس بأن جيشه سيستكمل تحييد الأنفاق في علي الطاهر وتدميرها وسيتمركز وفق ترتيب تكتيكي ملائم. وجدد كاتس في الوقت نفسه التأكيد ان اسرائيل لن تنسحب من المنطقة الأمنية حتى نزع سلاح حزب الله في كل لبنان. وبينما كان وزير الحرب يدلي بهذه المواقف اعلن جيش الاحتلال الاسرائيلي انطلاق تمرين مفاجئ على مستوى هيئة الأركان العامة وقال ان التمرين الذي أُطلقت عليه تسمية (طلوع الفجر) يهدف إلى فحص جاهزية الجيش الإسرائيلي للتعامل مع حدث مفاجئ متعدد الجبهات.
*********
مقدمة “MTV”
اسرائيل تعيش نشوة الانتصار، وتتعمد توجيه رسالة دموية كل يوم لتأكيد انتصارها. صحيفة “معاريف” اعتبرت ان سيطرة الجيش الاسرائيلي على تلال علي الطاهر فتحت الطريق الى بيروت والبقاع. اما وزير الدفاع الاسرائيلي فاعتبر ان السيطرة على علي الطاهر تمثل انتهاء الجيش الاسرائيلي من إحكام قبضته الامنية جنوب لبنان، مؤكداً في الوقت عينه ان لا انسحاب من هذه المنطقة حتى نزع سلاح حزب الله في كل لبنان. التصعيد الكلامي ترافق مع تصعيد ميداني. فالنبطية استيقظت على صباح دموي قاس، كما ان الاعتداءات والاستهدافات والتفجيرات لم تتوقف طوال النهار.
سياسيا، المواقف التي اطلقها رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية رسّم بداية وضع سياسي جديد. صحيح ان جعجع دعم المواقف السيادية لرئيس الجمهورية العماد جوزف عون، وخصوصا في ما يتعلق بالاتفاق الاطار. وصحيح ان جعجع اعتبر ما يقوم به رئيس الجمهورية في مثابة اضاءة شمعة هدفها تبديد الظلمة، لكنه في المقابل تحدث عن ثغرات في ممارسة الحكم سواء عند عون او عند رئيس الحكومة نواف سلام. فهو دعا الى عدم الاكتفاء بالكلام والانتقال الى الفعل والتقاط الفرصة العربية والدولية التي لن تتكرر، كما دعا عون وسلام الى العبور الى مرحلة دولة المؤسسات. وكان لافتاً في هذا المجال توجيه جعجع انتقاد مباشر الى رئيسي الجمهورية والحكومة متسائلاً اي دولة مؤسسات لا يصطحب فيها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وزير الخارجية معهما في زياراتهما الخارجية؟ كل هذه المواقف الجديدة وسواها تُنبىء أن كل ما كان يتردد همساً في المحافل السياسية اضحى علنياً.. فكيف سينعكس الامر على العلاقة بين رئيس الجمهورية والقوات اللبنانية من جهة وعلى الحكومة من جهة ثانية؟ لكن قبل الملف السياسي وقفة مع مال حزب الله الذي دخل عصر الكريبتو. فهناك صرافون ومحافظ رقمية و usdt تربط فيلق القدس بحارة حريك والقرض الحسن!
***********
مقدمة “المنار”
كلُّ مواقفِ التضامنِ مقدّرة وكلُّ البياناتِ، لكنَّ الجرحَ الجنوبيَّ النازفَ، لن تُبرِئَهُ الإدانات…
من فجر النبطيةِ وكفرمانَ إلى عربصاليمَ، نزفَ لبنانُ دمًا ومنازلَ ومستشفياتٍ، جراءَ عدوانٍ صهيونيٍّ مستمرٍّ ومتفلتٍ من كلِّ إطارٍ، فيما إطارُ السلطةِ ومفاوضاتُها تناثرتْ أشلاءً بين مستشفى غندور في النبطيةِ، ومقرِّ وزارةِ المالِ…
وللمقررينَ المضيُّ بخياراتِهم التفاوضيةِ التي برَّرَت للعدوِّ إجرامَهُ وحمتهُ من أيِّ ملاحقةٍ قانونيةٍ، لن ترقى بياناتُ الإدانةِ ولا اتصالاتُ التضامنِ والاستنكارِ إلى مستوى دليلٍ على وجودِ الدولةِ بوجهِ هذهِ الهمجيةِ الصهيونيةِ، ولا على نيتِها حقنَ دماءِ أهلِها أو استعادةَ أرضِها وسيادتِها وكرامتِها…
فلَيالي الجنوبيينَ ونهاراتُهم التي تشبهُ بعضَها، خضَّبَها الصهيونيُّ بدماءِ الصبايا والأطفالِ والشبابِ، وبعدَ الرماديةِ والنبطيةِ وميفدونَ وميدونَ في البقاع الغربي، عادتْ “عرب صاليم” بنسائِها شاهدةً وشهيدةً على مذبحِ الوطنِ الجريحِ، لتكونَ حصيلة جولة الفجرِ أربعةَ شهداءَ وعشرينَ جريحًا، فيما حصيلة الغارة على النبطيةِ عصراً ثلاثة شهداء..
ومعَ إدانةِ رئيسَي الجمهوريةِ والحكومةِ للعدوانِ الصهيونيِّ، دونَ الإعلانِ عن أيِّ خطواتٍ فعليةٍ للجمهِ، قرأَ الرئيسُ نبيه بري بهذا الإجرامِ المتمادي، مضيَّ تل أبيبَ في تحويلِ الجنوبِ وأهلِه وممتلكاتِه إلى صندوقِ اقتراعٍ بالدمِ في سباقِها الانتخابيِّ، داعيًا الجميعَ إلى تحمُّلِ المسؤوليةِ الوطنيةِ والوقوفِ إلى جانبِ الجنوبِ وقضيتِه التي يجبُ أن تكونَ قضيةَ كلِّ لبنانَ…
ولهولِ مأساةِ هذهِ القضيةِ المخضبةِ، كانَ موقفُ البطريركِ بشارة الراعي الموجَّهُ للسلطةِ، معتبرًا أنَّهُ يجب أن لا تبقى المفاوضاتُ جولاتٍ بلا نتيجة، فالمطلوبُ وقفُ الاعتداءاتِ وانسحابُ إسرائيلَ وضمانُ أمنِ الناسِ، مضيفًا أنَّ الجنوبَ ليسَ ورقةً تستعملُ لتصفيةِ الحساباتِ، ولا يجوزُ أن يبقى أهلُه أسرى الانتظارِ…
أما أهلُ المفاوضاتِ فلا يزالونَ أسرى خياراتِهم الاستسلاميةِ، ينتظرونَ سيدَهم الأميركيَّ وما سيخيطُهُ لهم معَ الإسرائيليِّ ليلبسوهُ…
في مضيقِ هرمزَ ومياهِه التي تغلي، قالَ الإيرانيُّ بلا أيِّ التباسٍ: الأمرُ لي… فالصواريخُ التي وجَّهَها حرسُ الثورةِ الإسلاميةِ إلى حاملةِ طائراتٍ ومدمِّرةٍ أميركيتينِ وأجبرتْهُما على الابتعادِ، بعثتْ برسائلَ أبعدَ من الميدانِ.

