وطنية – صدر العدد 155 من مجلة “الأمن العام” عن شهر آب لعام 2026، وفي ما يلي افتتاحية العدد بقلم المدير العام للامن العام اللواء حسن شقير، بعنوان: “الدولة التي تبني…لا تنكسر”، وجاء فيها: “ليست قوة الدولة بما تمتلكه من إمكانات أمنية وعسكرية فحسب، بل بما تؤمّنه لمواطنيها وللعاملين في مؤسساتها من مقومات العيش الكريم والرعاية المستدامة. فالمؤسسات العسكرية والأمنية التي تضطلع بمهمة حماية الوطن وصون استقراره، إنما تستمد جزءاً أساسياً من قدرتها على أداء رسالتها من شعور أفرادها بأن دولتهم تقف إلى جانبهم، ترعى شؤونهم، وتؤمّن لهم ولعائلاتهم الخدمات الأساسية التي تحفظ كرامتهم وتعزز استقرارهم الاجتماعي والصحي. من هنا، فإن الاستثمار في البنى الصحية والاستشفائية هو استثمار مباشر في الأمن الوطني، لأن الإنسان يبقى الركيزة الأولى لكل مؤسسة ناجحة.
أثبتت التجارب أن تقريب الخدمات من أماكن إقامة العسكريين وعائلاتهم يختصر المسافات، يخفف الأعباء المالية والمعنوية، ويمنح المستفيدين سرعة أكبر في الحصول على الرعاية الصحية اللازمة، لاسيما في الظروف الطارئة. من هذا المنطلق، يأتي التوجه نحو افتتاح مراكز طبية واستشفائية في الأقضية والمحافظات ليترجم مفهوماً متقدماً للإدارة الحديثة، يقوم على اللامركزية في تقديم الخدمات، ويجعل الدولة أكثر حضوراً وفاعلية في حياة المواطنين والعاملين في مؤسساتها، بعيداً من مركزية طالما أثقلت كاهل الناس وأبطأت وصول الخدمة إلى مستحقيها. فاللامركزية هي وسيلة لتعزيز العدالة في توزيع الخدمات، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
انطلاقاً من هذه الرؤية، يمضي الأمن العام بثبات في تنفيذ هذا المسار، واضعاً في صلب أولوياته إنشاء مراكز خدماتية متخصصة، وفي طليعتها المراكز الطبية والاستشفائية، في مختلف المناطق اللبنانية، بما يضمن استمرارية الخدمة وجودتها وسهولة الوصول إليها. وهذه المراكز، عند اكتمال شبكة انتشارها، لن تقتصر مهمتها على خدمة العسكريين وعائلاتهم، بل ستشكّل رافعة وطنية إضافية تضع إمكاناتها في تصرف الدولة كلما واجه لبنان ظروفاً استثنائية أو أزمات طارئة، سواء كانت صحية أو إنسانية أو أمنية. فتكامل المؤسسات في مثل هذه المحطات يشكل أحد أهم عناصر الصمود الوطني، ويؤكد أن الاستثمار في البنية الخدماتية هو استثمار في قدرة الدولة على الاستجابة السريعة والفعالة لمختلف التحديات.
إن بناء هذه المرافق والخدمات يتجاوز حدود الاستجابة للحاجات الآنية، ليؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها لبنان أكثر اعتماداً على قدراته الذاتية، وأكثر ثقة بكفاءاته الوطنية. فالانتقال من منطق انتظار المساعدة إلى منطق إنتاجها يبدأ من بناء المؤسسات، وتطوير البنى التحتية، واستثمار الطاقات البشرية التي يزخر بها وطننا. ولطالما أثبت اللبنانيون، في الداخل والاغتراب، أنهم يمتلكون من الخبرات العلمية والمهنية ما يؤهلهم لإنجاز المشاريع الكبرى متى توافرت الإرادة والرؤية والإدارة السليمة. ان توفير البنى الأساسية للخدمات، سواء على مستوى الأمن العام أو على مستوى الدولة ككل، يشكل خطوة عملية نحو ترسيخ ثقافة الإنتاج، وتعزيز الاكتفاء المؤسسي، وتحويل الإمكانات الوطنية إلى قوة فعلية قادرة على تقديم المساندة لا انتظارها.
إذا كانت الظروف الاقتصادية والمالية التي مر بها لبنان خلال السنوات الأخيرة قد فرضت تحديات قاسية على مختلف المؤسسات، فإنها لم تنجح في كسر إرادة العمل أو تعطيل مسيرة الإنجاز. بل على العكس، كانت دافعاً إضافياً للبحث عن حلول مبتكرة، وإطلاق مشاريع تنموية وخدماتية تؤكد أن الإرادة الصلبة تستطيع أن تتغلب على ضيق الإمكانات، وأن حسن الإدارة قادر على تحويل التحديات إلى فرص للنهوض. فالمؤسسات التي تؤمن برسالتها لا تستسلم للأزمات، بل تجعل منها حافزاً لمزيد من الإبداع والعمل والمسؤولية.

