تقنية جينية جديدة تستهدف أخطر طفرات السرطان

نجح باحثون بقيادة العالمة الأميركية جينيفر دودنا في توظيف إنزيم Cas12a2 للتعرّف على الطفرات الجينية الخاصة بالخلايا السرطانية وتدميرها بدقة عالية، بما في ذلك طفرات ظلت لعقود ضمن قائمة “الأهداف غير القابلة للعلاج” بالوسائل التقليدية.

ويأتي هذا الاكتشاف بعد ست سنوات من تتويج دودنا بجائزة نوبل في الكيمياء عن مساهمتها في تطوير تقنية التحرير الجيني الثورية “كريسبر-كاس9″، ليعيد اسمها إلى الواجهة عبر مقاربة جديدة قد تغيّر مسار أبحاث علاج السرطان.

ونشر فريقها البحثي من معهد غلادستون لعلوم البيانات والتكنولوجيا الحيوية في سان فرانسيسكو نتائج الدراسة في مجلة “Nature” في 8 حزيران 2026، موضحاً أن الاستراتيجية الجديدة لا تعتمد على استهداف البروتينات المسببة للمرض مباشرة، بل ترتكز على تعقب البصمة الجينية للطفرات السرطانية داخل الخلايا.

وبحسب الدراسة، يعمل إنزيم Cas12a2 على التعرف على العلامات الجينية المحددة للخلايا السرطانية، وعند العثور عليها يطلق سلسلة من التفاعلات تؤدي إلى تدمير المادة الوراثية داخل الخلية المصابة، ما يدفعها إلى الموت ويحدّ من نمو الورم وانتشاره.

وتُعدّ طفرات الجين TP53 من أبرز التحديات أمام علاجات السرطان الحديثة، إذ يظهر هذا الجين بشكل متغير في نحو نصف حالات السرطان تقريباً، كما يرتبط بنسب مرتفعة من أورام المبيض والبنكرياس، من دون وجود علاج معتمد يستهدف هذه الطفرات بشكل مباشر حتى الآن.

ويعود أصل إنزيم Cas12a2 إلى البكتيريا، حيث يشكل جزءاً من نظامها الدفاعي ضد الفيروسات، إذ يعمل على تدمير المادة الوراثية داخل الخلايا المصابة. واستلهم الباحثون هذه الآلية لإعادة توظيفها علاجياً عبر برمجة الإنزيم باستخدام جزيئات توجيهية من الحمض النووي الريبي للتعرف على طفرات سرطانية محددة، بينها طفرات TP53 وEGFR، إضافة إلى الارتفاع غير الطبيعي في جينات محفزة لنمو السرطان مثل MYC.

وخلال التجارب، استخدم الباحثون علامات فلورية لمراقبة نشاط الإنزيم داخل الخلايا، وتأكدوا من أنه لا يُفعّل إلا عند العثور على الهدف الجيني المحدد. وبعد ذلك يبدأ الإنزيم في تدمير الكروماتين، وهو المكوّن الذي يضم الحمض النووي والبروتينات المشكلة للكروموسومات.

كما اختبر الفريق التقنية على خلايا سرطانية بشرية نُميت في المختبر، باستخدام تقنية نقل جيني متخصصة، حيث أظهرت النتائج توقف نمو الخلايا السرطانية وموتها نتيجة الأضرار التي لحقت بمادتها الوراثية، في حين بقيت الخلايا السليمة من دون تأثير يُذكر.

وفي خطوة أقرب نحو التطبيقات العلاجية، حمّل الباحثون التعليمات الوراثية الخاصة بإنزيم Cas12a2 داخل جزيئات من الحمض النووي الريبي المرسال mRNA، ثم غلّفوها في جسيمات دهنية نانوية مشابهة لتلك المستخدمة في بعض اللقاحات الحديثة.

وبعد حقن هذه الجسيمات في فئران مصابة بسرطان الرئة والكبد، رصد الباحثون تراجعاً في حجم أورام الكبد، وتباطؤاً في نمو أورام الرئة، إضافة إلى تأخر انتشار السرطان إلى أعضاء أخرى.

ويرى الباحثون أن أهمية الدراسة تكمن في تقديم استراتيجية جديدة لاستهداف طفرات TP53 التي بقيت لسنوات طويلة خارج نطاق العلاجات المتاحة، وفتح المجال أمام تطوير جيل جديد من العلاجات الدقيقة القائمة على أنظمة كريسبر الموجهة بالحمض النووي الريبي.

ورغم أن التقنية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات السريرية للتأكد من سلامتها وفعاليتها لدى البشر، فإن العلماء يعتبرونها خطوة مهمة نحو استهداف طفرات سرطانية كانت تُعدّ حتى وقت قريب مستحيلة العلاج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *