توصل فريق دولي من علماء الكواكب إلى أدلة جديدة تشير إلى أن كوكب الزهرة لا يزال يتمتع بنشاط جيولوجي مستمر، في اكتشاف قد يغيّر الفهم السائد لتطور الكوكب الذي يُعد الأقرب إلى الأرض من حيث الحجم والتركيب الكيميائي، لكنه تحول إلى عالم شديد الحرارة يتميز بغلاف جوي سام وضغط جوي هائل.
وأوضح المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا (ETH)، في بيان، أن الباحثين اكتشفوا مؤشرات تدل على أن بعض الوديان الصدعية التي رُصدت على سطح كوكب الزهرة بواسطة أجهزة مسبار “ماجلان” لم تتشكل قبل نحو 100 مليون سنة كما كان يُعتقد سابقاً، بل نشأت في فترة أحدث نسبياً وفق المقاييس الجيولوجية، ما يعزز فرضية استمرار النشاط في باطن الكوكب حتى الوقت الحاضر.
وقال البروفيسور تاراس غيريا، أحد المشاركين في الدراسة، إن نتائج الرصد والنماذج الحسابية تشير إلى أن باطن كوكب الزهرة أكثر ديناميكية وحيوية مما كان يُعتقد في السابق، مضيفاً أن هذه النتائج ستساعد العلماء على فهم طبيعة النشاط التكتوني المحتمل على الكوكب وآليات تطوره عبر الزمن.
ويحاول العلماء منذ عقود تفسير الأسباب التي جعلت الزهرة، رغم أوجه الشبه الكبيرة مع الأرض، يتحول إلى كوكب ذي ظروف قاسية للغاية، حيث تصل درجات حرارة سطحه إلى مستويات مرتفعة للغاية ويغطيه غلاف جوي كثيف وغني بثاني أكسيد الكربون.
وتستند إحدى الفرضيات العلمية إلى أن الزهرة يفتقر إلى الصفائح التكتونية المشابهة لتلك الموجودة على الأرض، والتي تؤدي دوراً أساسياً في تجديد القشرة الأرضية وتنظيم النشاط الجيولوجي، وهو ما قد يكون أسهم في تطور الكوكب بطريقة مختلفة جذرياً.
غير أن اكتشاف آثار حديثة لثورانات بركانية، إلى جانب مؤشرات على حدوث تمدد تكتوني في بعض التراكيب الجيولوجية، دفع العلماء إلى إعادة النظر في هذه الفرضية، خاصة في ظل غياب بعثات فضائية حديثة مزودة برادارات متطورة قادرة على تصوير سطح الكوكب بدقة عالية خلال العقدين الماضيين.
وفي إطار الدراسة، طوّر الفريق العلمي بقيادة البروفيسور غيريا نموذجاً حاسوبياً متقدماً يحاكي البنية الداخلية لكوكب الزهرة والشكل ثلاثي الأبعاد للأودية الصدعية المنتشرة على سطحه، والتي سبق أن اكتشفها مسبار “ماجلان” خلال مهمته في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
ويعتقد الباحثون أن هذه التراكيب الجيولوجية تمثل مفتاحاً لفهم كيفية وتوقيت العمليات التكتونية والجيولوجية التي أسهمت في تشكل أودية صدعية تمتد لآلاف الكيلومترات على سطح الكوكب، كما قد تكشف عن طبيعة النشاط الداخلي الذي لا يزال مستمراً حتى اليوم.
وأكد الفريق العلمي أن هذه النتائج تعزز أهمية إرسال بعثات فضائية جديدة إلى كوكب الزهرة، سواء عبر مسابير مدارية أو مركبات هبوط، لإجراء قياسات أكثر دقة لسطحه وباطنه، بما يسهم في كشف المزيد من أسرار تاريخه الجيولوجي وفهم الأسباب التي جعلته يتخذ مساراً مختلفاً تماماً عن كوكب الأرض، رغم التشابه الكبير بينهما.

