هل بدأت نهاية الحقبة “الترامبية”؟

يصعب التعامل مع نتائج الانتخابات النصفية الأميركية باعتبارها مجرد خسارة انتخابية تقليدية يتعرض لها الحزب الجمهوري الحاكم في منتصف الولاية الرئاسية. فحجم التحول الذي شهدته صناديق الاقتراع، واتساعه إلى ولايات ومناطق كانت تُعدّ من معاقل الجمهوريين، يشيران إلى أن الناخب الأميركي لم يكتفِ بمعاقبة مرشحين جمهوريين، بل وجّه حكماً سياسياً على أداء دونالد ترامب وإدارته، وعلى النهج الذي اتبعه في إدارة البلاد خلال العامين الماضيين.

وبهذا المعنى، لا تكمن أهمية النتائج في انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين فحسب، بل في أنها كشفت حدود القدرة الترامبية على تحويل الولاء الشخصي للرئيس إلى رصيد انتخابي مضمون للحزب الجمهوري. فترامب خاض الانتخابات عملياً بوصفها استفتاءً على قيادته، وطلب من أنصاره التعامل مع المرشحين الجمهوريين كما لو أنه هو شخصياً على ورقة الاقتراع. لكن النتائج جاءت معاكسة، وأظهرت أن حضوره الانتخابي لم يعد كافياً لحماية الحزب من موجة اعتراض واسعة.

وتكتسب هذه الهزيمة دلالتها من طبيعة التحولات التي رافقتها. فالديمقراطيون لم يحققوا اختراقاً في مناطق متأرجحة فحسب، بل استعادوا مواقع في ولايات صوّتت لترامب في الانتخابات الرئاسية السابقة، ووصل التراجع الجمهوري إلى شرائح انتخابية كان الرئيس قد نجح في استقطابها، من الناخبين اللاتينيين إلى فئات من العمال والناخبين في المناطق الريفية.

وهذا التحول يضع إحدى أهم ركائز الظاهرة الترامبية أمام اختبار فعلي. فترامب لم يبنِ نفوذه على قاعدة جمهورية تقليدية فقط، بل على تحالف انتخابي عابر لبعض الانقسامات الحزبية والاجتماعية، جمع شرائح متباينة حول شعارات الاقتصاد والهجرة واستعادة القوة الأميركية، فضلاً عن صورة الرئيس الذي يتحدى المؤسسات والنخب السياسية. لكن هذا التحالف لم يثبت تماسكه عندما انتقل الناخبون من تقييم الوعود إلى محاسبة النتائج.

وقد ظهر الاقتصاد في مقدمة أسباب العقاب الانتخابي. فارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة، وتداعيات الحرب على إيران على أسعار الوقود، بددت جانباً من الوعود التي شكلت أساس الخطاب الجمهوري. ولم يعد كافياً تحميل الإدارة السابقة مسؤولية الأزمات، بعدما أصبح ترامب نفسه في موقع المسؤول عن السياسات والقرارات ونتائجها.

ومن المفارقات أن الحرب على إيران، التي قدّم ترامب قراره خوضها في إطار استعادة الردع الأميركي وتأكيد قوة الولايات المتحدة، تحولت إلى أحد العوامل التي أضعفت الجمهوريين انتخابياً. فارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة جعل التداعيات الخارجية حاضرة في الحياة اليومية للناخب الأميركي، وأفقد الإدارة القدرة على إبقاء الحرب ضمن إطار السياسة الخارجية البعيدة عن اهتمامات الداخل.

واللافت أن نائب الرئيس جي دي فانس نفسه أشار إلى الحرب باعتبارها سبباً واضحاً للخسارة، فيما أقر ترامب بأن أسعار النفط أثّرت في خيارات الناخبين، لكنه تمسك بأن قراره كان صحيحاً وأنه كان سيتخذه مجدداً. وهذا التباين لا يعكس اختلافاً في تقدير النتائج فقط، بل يكشف بداية ظهور أسئلة داخل المعسكر الجمهوري حول كلفة السياسات التي يصر الرئيس على اعتبارها جزءاً من رؤيته الاستراتيجية.

مع ذلك، لا تعني خسارة الكونغرس أن ترامب أصبح رئيساً فاقداً للقدرة على الحكم، أو أن نهاية ولايته باتت سياسياً أمراً محسوماً. فالرئيس لا يزال يمتلك صلاحيات تنفيذية واسعة، وحق النقض على التشريعات التي يقرها الكونغرس، كما يحتفظ بقدرته على التأثير في السياسة الخارجية والقرارات التنفيذية.

لكن طبيعة المرحلة المقبلة ستكون مختلفة. فبدلاً من العمل في ظل كونغرس يسيطر عليه حزبه، سيواجه مجلسين يملك الديمقراطيون فيهما القدرة على فتح التحقيقات، واستدعاء المسؤولين، وتعطيل تعيينات إدارية وقضائية، وفرض أجندة رقابية وسياسية على البيت الأبيض. ولن يكون أمام ترامب هامش المناورة نفسه الذي أتاح له خلال العامين الماضيين تجاوز كثير من القيود السياسية والمؤسساتية.

والأهم أن هذه المواجهة لن تقتصر على التشريع والرقابة، بل ستتحول إلى صراع على رواية الحكم نفسه: من المسؤول عن الاقتصاد؟ من يتحمل كلفة الحرب؟ ومن يملك القدرة على تقديم بديل سياسي مقنع للناخبين؟ وهي أسئلة سترافق الإدارة حتى نهاية الولاية، وقد تجعل العامين المقبلين أقرب إلى معركة انتخابية مفتوحة مبكرة، لا مجرد مرحلة لإدارة ما تبقى من الرئاسة.

لكن الضربة الأكثر حساسية لترامب قد لا تكون في الكونغرس، بل داخل حزبه. فقد كشفت النتائج أن المرشحين الذين حظوا بدعمه لم يكونوا محصنين من الخسارة، وأن تدخله في اختيار المرشحين وتحديد خيارات الحزب لم يمنع الهزيمة، بل إن بعض خياراته تحولت إلى عبء انتخابي على الجمهوريين.

وبدأت بالفعل دعوات من شخصيات واستراتيجيين جمهوريين إلى مراجعة المسار، وتغيير بعض الوجوه داخل البيت الأبيض، وإعادة النظر في سياسات الحرب والرسوم الجمركية. كما أن تحميل فانس الحرب الإيرانية مسؤولية الخسارة يحمل دلالة خاصة، لأنه يأتي من داخل الإدارة نفسها، ويفتح الباب أمام تساؤلات تتصل بمستقبل القيادة الجمهورية بعد ترامب.

ومع ذلك، فإن الحديث عن تراجع نفوذ ترامب لا يعني أن الحزب أصبح قادراً على التخلص من إرثه بسهولة. فالرئيس لا يزال يمتلك قاعدة شعبية صلبة، وقدرة على التأثير في الانتخابات التمهيدية، ومعاقبة الجمهوريين الذين يخرجون عن خطه. كما أن كثيراً من قيادات الحزب يدركون أن مواجهة ترامب قد تكون مكلفة بقدر ما أصبحت مجاراته مكلفة انتخابياً.

وهنا تظهر المعضلة الحقيقية: هل يستطيع الجمهوريون استعادة استقلاليتهم السياسية من دون تفجير انقسام داخلي، أم أن الحزب سيبقى أسير معادلة الولاء لترامب، حتى لو كانت هذه المعادلة تهدد فرصه في الانتخابات المقبلة؟

قد تكون هذه هي المسألة الأعمق التي تطرحها نتائج الانتخابات. فالتجربة الترامبية لم تعد مجرد رئاسة تقوم على شخصية استثنائية، بل تحولت إلى تيار سياسي له جمهوره وخطابه وأدواته، وأعاد تشكيل جزء كبير من الحزب الجمهوري، وفرض أولوياته على النقاش السياسي الأميركي.

ولهذا، فإن خسارة الكونغرس لا تكفي وحدها لإعلان نهاية هذا التيار. بل قد تدفعه إلى مزيد من التشدد، أو إلى إعادة إنتاج نفسه عبر قيادة جديدة تتبنى بعض شعاراته وأساليبه من دون أن تحمل كل أعباء شخصية ترامب. وفي المقابل، قد يؤدي اتساع الخلافات داخل الحزب إلى تفكيك التحالف الذي جمع الجمهوريين حوله، خصوصاً إذا أصبح استمرار الولاء له تهديداً مباشراً لمستقبلهم الانتخابي.

ترامب يدخل الآن عاميه الأخيرين في البيت الأبيض وهو يواجه واقعاً لم يعتد عليه: خصم ديمقراطي يسيطر على الكونغرس، وحزب جمهوري بدأ يسمع أصواتاً تطالبه بالمراجعة، وناخبون أظهروا أن تأييدهم ليس تفويضاً مفتوحاً. لكنه لم يفقد بعد أدوات التأثير، ولا قدرته على تحويل المواجهة إلى معركة شخصية جديدة.

لذلك، قد لا تكون الانتخابات أعلنت نهاية الحقبة الترامبية، لكنها أظهرت للمرة الأولى أن هذه الحقبة ليست عصية على التراجع، وأن السؤال لم يعد محصوراً بقدرة ترامب على مواصلة قيادة الحزب، بل بقدرة الحزب نفسه على تخيّل مستقبله السياسي من دونه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *