حاكم مصرف لبنان في لقاء حواري عقده المجلس الاقتصادي..اليكم التفاصيل

عقد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لقاء حواريا وتشاركيا مع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، حضره النواب: فريد البستاني، نقولا الصحناوي، طوني فرنجية، فيصل الصايغ، أمين شري، ميشال الدويهي، وضاح صادق، الياس حنكش ورازي الحاج، مدير المجلس الاقتصادي والاجتماعي الدكتور محمد سيف الدين، رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس، رئيس الرابطة المارونية المهندس مارون الحلو، رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان “إيدال” الدكتور ماجد منيمنة، ونائب رئيس هيئة الأسواق المالية الدكتور محمود جباعي.

عربيد

وتحدث عربيد عن “أهمية التعديلات المرتقبة على مشروع قانون إعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع، وأثرها على مسار المعالجة المالية والاقتصادية”، مؤكدا “ضرورة حماية حقوق المودعين وإقرار آليات استرداد الودائع في ضوء التطورات الأخيرة للمشاريع الإصلاحية المطروحة”.

وأكد “أهمية إعادة تنشيط التسليف للقطاع الخاص كمدخل لتحفيز النمو والاستثمار واستعادة الدورة الاقتصادية، كما الانتقال التدريجي من اقتصاد النقد الورقي (الكاش) إلى اقتصاد أكثر اعتمادا على المدفوعات الرقمية والخدمات المالية الحديثة”.

سعيد

من جهته، قال حاكم مصرف لبنان: “لقد مضت ست سنوات منذ أن أصبح الانهيار المالي – المصرفي أمراً لا يمكن إنكاره، ست سنوات من الشلل والتعطيل والحروب، ومن الضغوط اليومية الآتية من كل اتجاه: من الدولة، ومن مجلس النواب، ومن المصارف، ومن صندوق النقد الدولي. وقبل كل شيء، من المطالبات المحقة للمودعين الذين ائتمنوا هذا النظام على جنى أعمارهم”.

وقدم “عرضا منهجيا يتناول تشخيص الأزمة، والحلول المقترحة، والإطار التشريعي المطلوب، والجدول الزمني الواقعي، إضافة إلى الحقائق الأساسية التي لا يمكن لأي معالجة أن تنجح من دون الانطلاق منها”، وقال: “إن الأزمة المالية المصرفية في لبنان هي، من الناحية التقنية، أزمة نظامية بكل ما للكلمة من معنى، وقد تم توصيفها على هذا النحو من قبل العديد من الخبراء محليا ودوليا. كما أقر بها أخيراً صندوق النقد الدولي”.

وأشار إلى أن “المسألة لا تتعلق بتعثر مصرف واحد، أو حتى عدد من المصارف، بل بانهيار متزامن للقدرة المالية للدولة، وللمركز المالي لمصرف لبنان، ولسيولة القطاع المصرفي، ولثقة المواطنين، بحيث أصبحت كل هذه العناصر تغذي بعضها البعض وصولاّ الى انهيار شامل”، وقال: “إن الحقائق الأساسية في هذا السياق لا تحتمل أي تجميل: نحو 80 مليار دولار من الخسائر في القطاع المصرفي، أُودِعت بمعظمها من قبل المصارف لدى مصرف لبنان، تخلف الدولة عن سداد سندات اليوروبوندز في آذار 2020، بالتوازي مع انهيار قيمةسندات الخزينة بالليرة اللبنانية التي كانت تساوي ضعف قيمة سندات اليوروبوندز، انهيار سعر صرف العملة الوطنية بأكثر من 98%، وظهور أسواق موازية تعمل خارج الأطر الشرعية، ست سنوات من الشلل من دون قانون لإعادة الهيكلة أو خطة تعاف أو مسار إصلاحي واضح، حرب عام 2024 التي أضافت مزيدا من الدمار إلى ما كان قائما، ثم الحرب الدائرة اليوم في عام 2026”.

وسأل: “كيف وصل بنا المطاف إلى هنا؟”، وقال: “قام النموذج المالي الذي اعتمده لبنان بعد الحرب الأهلية على”سلسلة متواصلة من عمليات إعادة التمويل غير المستدامة. لقد استقطب تثبيت سعر الصرف وارتفاع معدلات الفائدة ودائع اللبنانيين في الداخل وفي الاغتراب، إضافة الى الودائع الإقليمية، ثم أُعيد تدوير هذه الأموال عبر المصارف إلى مصرف لبنان، ومن خلال مصرف لبنان إلى الدولة التي كانت تعاني عجزاً مالياً متكرراً. وكان هذا النموذج قابلاً للاستمرار فقط طالما بقيت التدفقات الداخلة تفوق التدفقات الخارجة، لكن مع اهتزاز الثقة في عام 2019، جاء الانهيار سريعاً وشاملا”.

أضاف: “لقد زادت الإخفاقات من حدة الأزمة وتعقيداتها، فحكومات متعاقبة تعاملت مع الخزينة العامة من دون مسؤولية أو مساءلة، والبيئة الرقابية أتاحت اللجوء إلى الهندسات المالية فيما كانت المخاطر النظامية تتراكم، وغياب للتدقيق المستقل ولرقابة فاعلة، فيما لم يكن الفساد ظاهرة هامشية، بل كان في صلب المنظومة نفسها”.

وتابع: “منذ يومها الأول في تولي مهامها بتاريخ 4 نيسان 2025، أعلنت الإدارة الجديدة لمصرف لبنان أن هذه الأزمة هي أزمة نظامية، ولم يكن الهدف إعفاء أي طرف من مسؤولياته. لقد أكدنا بوضوح أن الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية تتحمل مسؤولية الأزمة المالية المصرفية، وأن عليهم جميعاً أن يتحملوا أعباء معالجتها. وقد أصررنا على هذا التوصيف، انطلاقا من ضرورة التحلي بالدقة التقنية، لأن التشخيص هو الذي يحدد العلاج. قرأ كل طرف في هذا الموقف ما يناسبه، ولم يكن ذلك يعنينا. فنحن لا نتخذ المواقف لإرضاء أي طرف، بل لتحديد الوقائع كما نراها، فالمسابقات الشعبية هي من شأن السياسيين، وليست من شأن التكنوقراط كمسؤولي البنك المركزي. إن مهامنا من الحاجب الى الحاكم لا تتأثر بقرار أو مقال، أو موقف عام أو خاص أو تهديد أو ترغيب، فالرقيب الوحيد على مصرف لبنان هو القضاء”.

واعتبر أن “الاعتراف الرسمي بالطبيعة النظامية لهذه الأزمة، سواء من قبل مصرف لبنان أو من قبل صندوق النقد الدولي، لا يبرّئ أحداً من المسؤولية، فالدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية تتحمل جميعها حصصاً متفاوتة من المسؤولية، كلٌّ بحسب دوره ومساهمته في نشوء الأزمة”، وقال: “ما يتيحه الإطار النظامي لهذه الأزمة هو توفير أساس عادل لتوزيع الأعباء، بما يضمن ألا تقع كلفة المعالجة بالكامل على المودعين، وهم في الوقت نفسه الطرف الأقل مسؤولية عن الأزمة والأكثر تضرراً من نتائجها، وهذا ليس مجرد مبدأ مالي، بل هو واجب أخلاقي وأساس العدالة الاجتماعية، وهو الموقف الذي التزم به مصرف لبنان، علناً وباستمرار، منذ اليوم الأول”.

أضاف: “تزخر التجارب الدولية بسوابق وأمثلة جديرة بالدراسة، فلكل أزمة أسبابها الخاصة، وأطرافها المسؤولة، والعبر التي ينبغي استخلاصها منها. أما الأزمة اللبنانية تختلف اختلافاً جوهرياً عن كل تلك الأزمات، وهذه الحقيقة بالغة الأهمية عند تحديد المسؤوليات ووضع الحلول. ففي معظم الحالات، كان القطاع الخاص هو من أشعل شرارة الأزمة. أما في لبنان، فكان القطاع العام هو نقطة الانطلاق”.

وتابع: “في قبرص مثلاً (2012-2013)، انكشف الاقتصاد على نحو مفرط وغير محسوب على الديون السيادية اليونانية. وعندما أُعيدت هيكلة الدين اليوناني،دخلت قبرص في أزمة حادة. وأعقب ذلك تطبيق آلية الـ (Bail-in)التي أثارت الكثير من الجدل، لكنها كانت مؤلمة وحاسمة، وتمت معالجة الأزمة خلال ثلاث سنوات”.

وأشار إلى أن “المعالجة الجذرية والسريعة تؤدي إلى التعافي بصورة أسرع من الاستنزاف التدريجي والممتد”، وقال: “أما في آيسلندا (2008)، فانهارت المصارف التي بلغ حجمها نحو عشرة أضعاف الاقتصاد الوطني تحت وطأة الإقراض الدولي المضاربي، وكان رد فعل السلطات الآيسلندية لافتا. لقد تركت المصارف المتعثرة تواجه مصيرها، وحمي المودعون المحليون، وأحيل المسؤولون على القضاء. وقد انتهى الأمر بسجن 26 مصرفيا”.

وأوضح أن “التعافي جاء أسرع من كل الدول التي اختارت برامج الإنقاذ(bailouts) المكلفة”، معتبرا أن “المساءلة ليست خياراً، بل ركيزة أساسية في أي عملية إصلاح”، وقال: “أما اليونان (2010-2018)، فعاشت عقداً كاملاً من التقشف نتيجة سياسات مالية غير منضبطة، أُخفيت تداعياتها خلف ممارسات محاسبية كان من شأنها أن تثير إعجاب أمهر محترفي الخدع، وكان الإصلاح يُوعَد به باستمرار، لكنه كان يُؤجَّل باستمرار أيضا”ً

وذكر أن “الخلل السياسي لا يؤخر التعافي فحسب، بل يتحول بحد ذاته إلى أزمة”، متسائلا: “أين يندرج لبنان ضمن هذا التصنيف للأزمات؟”، وقال: “في الحقيقة، لا يندرج ضمن أي منها. ففي كل الحالات التي استعرضناها، كانت الخطيئة الأصلية ارتكبها القطاع المصرفي التجاري فيما اكتفت الدولة، رغم أوجه القصور التي شابت ممارساتها، بدور المنقذ في نهاية المطاف. أما في لبنان، فكانت الدولة بسبب التهوّر المالي والإستدانة الشرسة والممنهجة هي اللاعب الرئيسي في هذه المأساة الوطنية، فيما أصبح سائر المستفيدين والمشاركين فيها إما وكلاء أساسيّين كمصرف لبنان أو شركاء فعليّين كالمصارف التجاريّة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *