وطنية – ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الإرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: “يضعنا الرب يسوع اليوم أمام مشهدين متقابلين: غني يلبس الأرجوان والبز ويتنعم مترفها، وفقير إسمه لعازر مطروح عند بابه، مملوء قروحا، يشتهي أن يشبع من الفتات الساقط عن مائدته. بين الرجلين باب واحد، لكنه عوض أن يكون معبرا للرحمة صار حاجزا يفصل قلبا يعيش في الرخاء، عن قلب يئن متألما. لم يكن الغني مضطرا للسفر بعيدا ليجد محتاجا، ولا للبحث عن فرصة يصنع فيها خيرا، إذ كان الفقير عند بابه، حاضرا في حياته. مع ذلك، لم ير فيه أخا، بل تجاهله. هنا تكمن خطورة الغنى في نظر الإنجيل، أي امتلاك قلب قاس غير قادر على رؤية الآخر”.
أضاف: “لا يخبرنا الرب أن الغني سرق مال لعازر أو ضربه أو طرده، بل يكشف خطيئة أكثر هدوءا وخفاء، هي اللامبالاة. فقد عاش الغني وكأن ألم الفقير لا يعنيه، وكأن حاجته لا تستحق أن يوليها في رفاهيته شيئا من اهتمامه. هذه هي خطيئة إنسان اليوم أيضا، إذ قد لا نكون أغنياء بالأرجوان والذهب، لكننا نغلق أبوابنا وقلوبنا، ونمر بجانب المتألمين دون أن نتوقف، ونشاهد صور الجائعين والمرضى والمشردين وضحايا الحروب والإرهاب دون أن نتأثر، بل نتابع حياتنا وكأننا لم نر شيئا. نبرر ذلك بأن العالم مليء بالمآسي، وأننا عاجزون عن تغيير الواقع. لكن لعازر لم يطلب من الغني أن يخلص العالم، بل كان محتاجا لرحمة إنسان واحد، جالس إلى مائدة عامرة، وعلى مسافة خطوات منه”.
وتابع: “حين مات الإثنان، إنقلب المشهد. فقد حملت الملائكة لعازر إلى حضن إبراهيم، أما الغني فوجد نفسه في العذاب. لم تكن هذه النهاية مجرد إنقلاب في الأحوال، بل أعلنت حقيقة أعمق، أن الموت يكشف خطايانا وقساوة قلوبنا، ويظهر إلى أين تقودنا إختياراتنا. فالمال الذي بدا للغني ضمانا للراحة والرفاهية لم يستطع أن ينقذه، وتقرحات لعازر لم تمنعه من أن يكون عزيزا في عيني الله. يقول الإنجيل بلسان إبراهيم للغني الذي يطلب الرحمة «أنك نلت خيراتك في حياتك ولعازر كذلك بلاياه، والآن هو يتعزى وانت تتعذب»، وأن بين الموضعين «هوة عظيمة قد أثبتت حتى إن الذين يريدون أن يجتازوا من هنا إليكم لا يستطيعون، ولا الذين هناك أن يعبروا إلينا». إنها صورة مخيفة لنتيجة أعمال قلب تمرس على رفض المحبة حتى صار عاجزا عنها. الإنسان لا يدان لأنه لا يمتلك ما يعطيه، بل لأنه يرفض أن يعطي مما لديه، ولو قليلا، ولا يدان لأنه لم يستطع إزالة كل آلام العالم، بل لأنه لم يسمح لآلام القريب أن تحرك قلبه”.

