تتوالى في بيروت خلال الأسابيع الأخيرة إجراءات إقفال مستودعات للحوم وملاحم ومسالخ مخالفة للشروط الصحية، بالتزامن مع تسجيل حالات تسمّم غذائي دفعت الجهات المعنية إلى تكثيف جولاتها الرقابية. ومن شبهات بيع اللحوم المجمّدة على أنها طازجة، مروراً بمخالفات التخزين والتجهيز، وصولاً إلى الاشتباه بارتباط مصدر لحوم بحالات تسمّم، تتجدد الأسئلة بشأن فعالية الرقابة على سلسلة تداول الغذاء، من أماكن الذبح والتخزين إلى المطاعم التي تقدّمه للمستهلكين.
آخر هذه الإجراءات جاء مساء الاثنين 26 تشرين الأول، حين تحرّكت مصلحة المسالخ في بلدية بيروت، بناءً على توجيهات محافظ العاصمة القاضي مروان عبود، إثر ورود معلومات من قسم الترصد الوبائي في وزارة الصحة العامة عن حالات تسمّم غذائي استدعت نقل مصابين إلى المستشفيات داخل بيروت وخارجها.
وبحسب بيان البلدية، شمل الكشف مستودع “رهامكو” للحوم في منطقة الروشة، شارع أستراليا، العائد لمحمد علي المصري، بمؤازرة من مخابرات الجيش – مكتب الحمراء وفوج حرس مدينة بيروت. وأظهرت المعاينة أنّ المستودع يعمل من دون ترخيص ولا يستوفي الشروط الصحية المطلوبة، كما يحتوي على تجهيزات لتذويب اللحوم المجمّدة وتقطيعها وتجهيزها.
وأشار البيان إلى وجود شبهات بشأن ممارسات في بيع اللحوم، بينها خلط الطازجة بالمستوردة وتذويب المجمّدة، لافتاً إلى أنّ المستودع يزوّد عدداً من المطاعم باللحوم، ومن بينها المطعم الذي سُجّلت فيه حالات التسمّم موضوع المتابعة. وعلى إثر ذلك، صدر قرار عن المحافظ عبود بإقفال المستودع وختمه بالشمع الأحمر، على أن تستكمل التحقيقات لتحديد المسؤوليات.
لا تأتي هذه الواقعة بمعزل عن سلسلة من المخالفات التي كشفتها جولات رقابية في العاصمة خلال الفترة الأخيرة. ففي 25 تشرين الأول، أقفلت بلدية بيروت مسلخ «مرعي» في منطقة وطى المصيطبة، بعد كشف أظهر أنّه يعمل من دون ترخيص قانوني أو إشراف طبيب بيطري، ولا يستوفي شروط الصحة والنظافة والسلامة العامة، فضلاً عن ذبح المواشي وعرضها خلافاً للأصول والأنظمة المعمول بها. ونظّمت البلدية محضر ضبط بحق المخالف، ونفّذت قرار الإقفال بالشمع الأحمر.
وقبل ذلك بأسبوع، في 18 تشرين الأول، كشف آخر في منطقة الخندق الغميق عن محل يُعنى بتخزين اللحوم المستوردة المجمّدة والمبرّدة وتقطيعها وتجهيزها للبيع. وأظهرت المعاينة وجود معدات لتذويب اللحوم المجمّدة وفرمها وإعداد منتجات مختلفة، بينها البرغر والنقانق، فضلاً عن عبوات لحوم مجمّدة أُزيلت أغلفتها بعد إذابتها.
وبحسب بيان البلدية، كانت هذه المنتجات تُجهّز بناءً على طلب بعض أصحاب الملاحم في بيروت، وسط شبهات ببيع لحوم مجمّدة مذوّبة على أنّها طازجة. وأُوقف المحل عن العمل، ونُظّمت محاضر ضبط بحق صاحبه ومساعديه تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، فيما عملت الجهات المعنية على تحديد الملاحم التي كانت تشتري منه للتحقق من مدى التزامها بالمعايير الصحية.
وتكتسب هذه الواقعة أهمية إضافية لأنّها لا تتعلق بمكان التخزين وحده، بل بامتداد سلسلة التوزيع إلى محال البيع بالتجزئة، حيث قد لا يتمكن المستهلك من التمييز بسهولة بين اللحوم الطازجة وتلك التي جرى تجميدها ثم تذويبها. كما أنّ عرض اللحوم المجمّدة على أنّها طازجة، إذا ثبت، لا يقتصر على مخالفة شروط التداول، بل يشكل أيضاً تضليلاً للمستهلك بشأن طبيعة المنتج الذي يشتريه.
وفي 27 أيلول الماضي، أعلنت بلدية بيروت نتائج جولات رقابية شملت ملاحم في الحمرا وعائشة بكار وزقاق البلاط وطريق الجديدة والبربير. وكشفت الجولات مخالفات تتعلق بحفظ اللحوم وتبريدها وتخزينها ونظافتها، إلى جانب ممارسات شملت تذويب اللحوم المجمّدة بطرق غير مطابقة للشروط الصحية وإعادة بيعها على أنّها طازجة.
كما أفادت البلدية برصد خلط بقايا اللحوم بلحوم غير صالحة للاستهلاك البشري واستخدامها في إعداد منتجات مصنّعة، منها الكفتة والسجق والنقانق والبرغر واللحوم المفرومة. وأُتلفت المنتجات المضبوطة، واتُّخذت الإجراءات اللازمة بحق المخالفين.
وتكشف مقارنة هذه الوقائع تشابهاً في طبيعة المخالفات التي استدعت التدخل البلدي، ولا سيما ما يتصل بظروف التخزين والتذويب والتجهيز، ومدى الالتزام بمتطلبات النظافة والسلامة الغذائية. لكنّ هذا التشابه لا يعني بالضرورة أنّ الوقائع مرتبطة بمصدر واحد، أو أنّ اللحوم المضبوطة في كل حالة تسببت بحالات تسمّم؛ إذ يتطلب إثبات ذلك نتائج الفحوص والتحقيقات المختصة.
وتزامنت الإجراءات الأخيرة مع إقفال مطعم في وسط بيروت في 27 تشرين الأول، بعد ورود معلومات عن تسجيل حالات تسمّم غذائي، عقب تناول لحوم نيئة أو غير مطهوة جيداً في أحد مطاعم وسط بيروت، نقلاً عن تنبيه طبي داخلي صادر عن المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت.
وفي المحصلة، تعيد الوقائع المتلاحقة في بيروت ومناطق أخرى ملف سلامة الغذاء إلى صدارة الاهتمامات، لا سيما مع تكرار المخالفات المرتبطة بتخزين اللحوم وتذويبها وتجهيزها وتوزيعها. وبين إقفال المستودعات والمسالخ والمطاعم، يبقى التحدي الأساسي ضمان عدم عودة المنشآت المخالفة إلى العمل قبل استيفاء الشروط المطلوبة، وتعزيز القدرة على تتبع مصدر المنتجات التي تصل إلى موائد اللبنانيين.

