هل ما حصل في بعض شوارع بيروت وأحيائها ليل امس هو بروفة لـ 7 أيار جديد، يُعدّه حزب الله للخروج من مآزقه الكثيرة وهزائمه المتتالية؟ انه السؤالُ المطروح بعد استعراض القوة الذي حاول الحزب ابرازَه ليلا. وهو استعراضٌ اكد المؤكد، وهو ان الحزبَ محشورٌ بالزاوية ، وانه فـقـدَ كلَ اوراق القوة التي كان يملكها سابقاً..سياسياً ، بات يغرد وحيداً, والحكومة الممثَل فيها اتـَخذت وتتخذ قرارات ضد ممارساته الخاطئة والخارجة على القانون. وعسكرياً، حقق انجازات ” تكتيكية واستراتيجية غير مسبوقة تمثلت في التراجعات والانسحابات والانكفاءات وحتى في تسليم الارض الجنوبية الى اسرائيل. ومالياً، هو محاصر بماله غير النظيف، الذي تبين للجميع انه نتاجُ تبييض ٍ لاموال الكبتاغون والمخدرات وبيع السلاح.
حتى قضائياً الحزبُ “مطلوبٌ للعدالة ” في الاسبوع الجاري فقط بقضيتين كبيرتين: نقلُ سلاح ومتفجراتٍ بطريقة غير شرعية من البقاع الى بيروت، وضبط ُ ادوية فاسدة في نطاق مربعاته الامنية. ففي ظل كل هذا الواقع المهترىء للحزب، لا عَجب اذا قرّر مسؤولوه ان يعودوا الى عادتهم القديمة… وها هم يَهربون الى الامام مهدِدين السلمَ الاهلي والامنَ الداخلي تحت شعار: علينا وعلى اعدائنا يا رب. و من هنا خطورة المرحلة. ومن هنا المسؤولية ُ الكبرى الملقاة على عاتق السلطة السياسية من جهة، وعلى الجيش والقوى الامنية من جهة ثانية.
فحزب الله ومن خلفه ايران يريدان ويعملان على خربطة الوضع داخل لبنان لان هذا الامر يصب في مصلحتِهما المشتركة. وبالتالي فان التصدي لحلقات المخطط الجهنمي وبالسرعة المطلوبة ضروري في كل مرة، والا سقط لبنانُ من جديد في القبضة الايرانية.
ان الاكثرية الساحقة من اللبنانيين تريد حصر السلاح بيد السلطة اللبنانية، وتريد سيادة َ القانون على الاراضي اللبنانية كلِها من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب. فهل يفهم حزبُ الله هذه الحقيقة ويوقف مؤامراتِه الداخلية المجنونة والمدمرة؟ البداية من وقائع الارض.
*******
مقدمة “المنار”
أثبت المنطقُ والتاريخُ أن السلمَ الأهليَّ ودماءَ اللبنانيينَ أغلى بكثيرٍ من ماءِ وجهِ البعضِ، مهما علتْ مقاماتُهم، وفوق أوامرِ الخارجِ مهما تكثَّفَت اتصالاتُه وتصريحاتُه وتهديداته، وعلى المغامرينَ بالبلدِ اليومَ كرمى لتلكَ الاوامرِ أن يعلموا أن العراضاتِ والعنترياتِ لا تعيدُ هيبةً وسيادة وكرامةً وطنيةً تخلّوا عنها على الخطوطِ الهاتفيةِ الاميركية وغيرها وفي محاضرِ الجلساتِ ومَحْضَرِِ السفراءِ ..
والقضيةُ التي تشغلُ البلدَ من الأمسِ ليستْ مستودعَ أدويةٍ هنديةٍ طلبَ وزيرُ الصحةِ إقفالَه، بل قرارُ البعضِ بفتحِ مستودعاتِ الأحقادِ والمغامراتِ بطلبٍ من وزيرِ الخارجيةِ «ماركو روبيو»، الذي أصدرَ بحق السلطةِ اللبنانية استناباتٍ سياسية، من سيارةِ ضهرِ البيدرِ إلى قضيةِ السفيرةِ معوضَ وما بينهما، وكلف سفيرَه في بيروتَ ميشالَ عيسى الإشرافَ على حُسنِ التنفيذِ.
والنافذونَ يعرفونَ سوء حالِهم عند سيدِهم الأميركيِّ، واللبنانيونَ الذين اختبروا الفشلَ المدقعَ الذي يسيطرُ على السلطةِ في شتى الملفاتِ، يعرفونَ أيضًا، ولا داعيَ لمزيدٍ من الأدلةِ المكلفةِ. فليستْ بالعراضاتِ والعنترياتِ تُدارُ الدولةُ وتُبنى المؤسساتُ.
أما الجيشُ اللبنانيُّ والقوى الأمنيةُ والقضائيةُ فموجودونَ ولا يزالونَ بين أهلِهم وعلى تنسيقٍ معهم في الضاحيةِ الجنوبيةِ كما في الجنوبِ، ولم يغادروا يومًا إلا بأوامرِ السلطةِ السياسيةِ المنبثقةِ من التهديداتِ والأوامرِ الإسرائيليةِ.
أما إذا كان بعضُ الساسةِ يبحثونَ عن صورةِ هيبتِهم المفقودةِ وسيادتِهم المستباحةِ، فليستْ موجودةً في شوارعِ الضاحيةِ، بل عليهم البحثُ عنها في ساحاتِ الخيامِ وديرِ ميماسَ وبنتِ جبيلٍ، أو على الأقلِّ في زوطرَ والمنصوريِّ الشهيدةِ الشاهدةِ على عارِ إطارِ هذه السلطةِ وجبنِ مفاوضاتِها وسوءِ أمانتِها لأرضِها ودماءِ أهلِها.
أما حزبُ اللهِ الذي دفعَ أغلى الدماءِ ولا يزالُ لحمايةِ الأرضِ والعِرضِ والسيادةِ والكرامةِ الوطنيةِ، واجترحَ المعجزاتِ للوقوفِ إلى جانبِ أهلِه بما تيسّرَ من أموالٍ رغم حصارِ السلطةِ والأميركيينَ، فهو أكثرُ الحريصينَ على بناءِ دولةٍ حقيقيةٍ بمؤسساتِها القويةِ، وفقَ القواعدِ الوطنيةِ لا الإملاءاتِ الأميركيةِ، وبعيدًا عن الابتزازِ والتحريضِ والتنكيلِ بواقعِ الوطنِ وأهلِه.
ونصيحةُ حزبِ اللهِ للسلطةِ وتوابعِها قبلَ أيامٍ لا تزالُ ساريةَ المفعولِ، بأن عليهم عدمَ استغلالِ حرصِنا على السلمِ الأهليِّ واستقرارِ بلدِنا ليمعنوا في تهديدِ استقرارِنا الداخليِّ، فحزبُ اللهِ لن يتساهلَ مع أيِّ استهدافٍ من أيِّ جهةٍ تنفّذُ المطالبَ الأميركيةَ ضدَّ أهلِه ومقاومتِه.
*********
مقدمة “أو تي في”
عشية 13 تشرين الاول 1990، لم يكن لبنان بأفضل حال، بعد حرب بدأت عام 1975، وبوجود احتلالات وميليشيات. لكن الأمل كان موجودا، بوجود منطقة حرة بالكامل، كان يمكن ان تشكل نواة لتحرير كامل الوطن. وكان التضامن مع السلطة الشرعية يومها كفيلا وحده بمنع الاحتلال من السيطرة على البلاد خمسة عشر عاما، وهو ما حصل بعد نقل القرار الى سلطة الوصاية.
وعشية 17 تشرين الاول 2019، الوضع ايضا لم يكن بأفضل حال، خاصة في الملف الاقتصادي والمالي، بفعل ارتكابات متراكمة منذ التسعينيات، وعمليات نهب منظمة للمال العام، اضيف اليها عبء النزوح السوري والضغوط الاقليمية والدولية.
لكن الامل ايضا كان موجودا، مع سلطة شرعية حررت الجرود ورسمت خطط الاصلاح وارغمت الطبقة السياسية على اقرار موازنات عامة بعد طول تفلت واقرت قانون انتخاب صحح التمثيل.
ولو تضامن الجميع مع الدولة ورأسها،
كان يمكن لما كان قائما ان يشكل منصة انطلاق نحو مستقبل افضل، لكن العكس هو ما حصل، بفعل حملة شعارات شعواء وانقلاب سياسي من الداخل والخارج ادى الى ما ادى اليه.
نفذ النظام السوري السابق عملية 13 تشرين. فهلل من هلل واحتفل من احتفل، ليدفع كل لبنان الثمن، قبل ان ينقض اركان سلطة الوصاية بعضهم على بعض، فزجوا بأحدهم في السجون، ثم امتهنوا المماحكات ومسرحيات غسل القلوب حتى سقط هيكلهم، ما خلا بعض الاعمدة، عام 2005.
واخترق الحزبيون ثورة 17 تشرين. فرقص من رقص وشتم من شتم، قبل ان ينفرط عقد الثوار المزعومين من سياسيين واعلاميين واحزاب واركان سلطة ومال. والنتيجة، افلاس سياسي واضح ومالي مستدام وتخبط بين سيادة مستباحة وقرار تم تسليمه الى اكثر من عاصمة ويتنازعه اكثر من سفير.
واليوم في ذكرى التشرينين الاسودين، ولأن لصوص الزمنين كانوا يدرون ماذا يفعلون، لا تغفر لهم يا لبنان، ويا من تبقى على ارض لبنان، من شعب لبنان.

