أكدت مجلة “ناشونال انتريست” الأميركية صعوبة قيام “دولة درزية” منفصلة في سوريا، ورأت أن محافظة السويداء تتجه، في أسوأ الأحوال، نحو كارثة. أما في أفضل الأحوال، فقد تتحول إلى كيان أولي غير قابل للاستمرار يعتمد على تجارة المخدرات، ويخضع لديكتاتورية دينية ثيوقراطية، وهي تفتقر إلى الموارد الزراعية والطبيعية، والفرص الاقتصادية المتاحة للشباب.
ويقول آدم دهسابزي، وهو باحث في شؤون الدفاع والسياسة الخارجية، مقيم في واشنطن، في تحليل نشرته مجلة “ناشونال انتريست”: على مدار 14 عاماً من الحرب الأهلية في سوريا، قدّم نظام بشار الأسد، إلى حد ما، وبصورة تنطوي على قدر من التضليل، حماية الأقليات في البلاد مبرراً لاستمرار حكمه.
ووفقاً لهذه الرواية، كان النظام هو الحصن الوحيد الذي يحمي الأقليات الدينية في مواجهة جماعات المعارضة التي كانت تقاتله، والتي اتسم معظمها بالتوجه الإسلامي، وكان من شأن سقوط حكومة الأسد أن يُعرِّض هذه الأقليات للاضطهاد.
ويضيف: “للأسف، تحققت هذه التحذيرات بعد وقت ليس طويلاً من انهيار النظام وفرار الأسد، في ديسمبر/كانون الأول 2024”.
وفي مارس/آذار من العام التالي، وقعت سلسلة من المجازر الطائفية بحق العلويين في محافظتي اللاذقية وطرطوس الساحليتين، بعدما نصبت فلول نظام الأسد، التي أعلنت عن نفسها تحت اسم “المجلس العسكري لتحرير سوريا”، كميناً لقوات الأمن التابعة للحكومة الانتقالية.
ورداً على ذلك، شنّت قوات تابعة للدولة وأخرى من خارجها حملة دموية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1400 من العلويين.
ويرى دهسابزي، أنه على مدى خمسة عقود من حكم آل الأسد، استقطب النظام أعداداً من العلويين تفوق نسبتهم السكانية للانضمام إلى الجيش البعثي، مستغلاً المخاوف الطائفية لتعزيز أركانه. ونتيجة لذلك، مثل العنف المُروِّع أحد أشكال الانتقام والعقاب الجماعي.
وفي يوليو/تموز الماضي، اندلعت أعمال عنف طائفية مجددا بمحافظة السويداء، ذات الأغلبية الدرزية، جنوب شرقي سوريا. وبدأت الأحداث بعملية سطو ومواجهة عند نقطة تفتيش، ما أدى إلى عمليات خطف انتقامية متبادلة بين الميليشيات الدرزية ومسلحين من العشائر البدوية السنية. ووسط تصاعد الاضطرابات، تدخلت قوات الحكومة الانتقالية دعماً للعشائر البدوية، ما أسفر عن مقتل ما يصل إلى 1700 مدني، معظمهم من الطائفة الدرزية، وشنت “إسرائيل” غارات جوية دعماً للدروز.
وبينما تمكن الرئيس السوري أحمد الشرع من استعادة السيطرة على اللاذقية وطرطوس في أعقاب المجازر التي استهدفت العلويين، اضطرت الحكومة إلى الانسحاب من السويداء. ومنذ ذلك الحين، يتولى “الحرس الوطني”، وهو جماعة شبه عسكرية درزية يقودها الزعيم الروحي للدروز الشيخ حكمت الهجري، إدارة المنطقة بصورة مستقلة عن الحكومة المركزية.
ورغم العلاقة المضطربة نسبياً بينهما، أيّد الهجري الأسد طوال الحرب الأهلية، ولكن إثر انهيار النظام، فرّ كثير من أفراد أجهزته الأمنية “سيئة السمعة” إلى السويداء، ولجأوا إلى رجل الدين طلبا للحماية.
وقال الهجري، في بيان “بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للمجزرة، إن مستقبل السويداء قد يشمل الاستقلال أو الحكم الذاتي أو الحماية من جانب دولة أخرى أو الاندماج مع دولة أخرى. غير أن السعي إلى تحقيق أي شكل من أشكال تقرير المصير يبدو، على الأرجح، مسعى غير مجد”.
وفي حين تتمتع المناطق العلوية ببنية تحتية حديثة وساحل على البحر المتوسط، وتحتوي المناطق الكردية في الشمال الشرقي على احتياطيات من الغاز والنفط، فإن جغرافية السويداء ذات الأغلبية الدرزية تتسم في معظمها بالجدب والقحولة، إذ تفتقر إلى الإنتاج الزراعي والموارد الطبيعية القابلة للتصدير، بل هي تفتقر أيضا لوجود ما يكفي من المياه لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
وعلى مدى عقود، دفع نقص الفرص الاجتماعية والاقتصادية في السويداء الكثير من السكان الدروز إلى الانتقال لدمشق لاستكمال تعليمهم الجامعي، أو الالتحاق بالجيش.
وخلال العام الذي أعقب المجزرة، أصبحت السويداء شبه معزولة تماماً عن بقية أنحاء سوريا، ولا يمكن الوصول إلى المنطقة التي تقع على أطراف البلاد براً إلا عبر طريق سريع من دمشق. وباتت تعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية التي توافق دمشق على دخولها، فضلاً عن شريان حياة يتمثل في تدفق الأموال من “إسرائيل”.
ورغم الظروف الاقتصادية القاتمة، كان تهريب المخدرات والأسلحة والبنزين والكحول إلى الأردن، أحد القطاعات الاقتصادية التي ساعدت على استمرار السويداء.
ومنذ حظرت الحكومة الانتقالية إنتاج هذه المواد ونقلها، انتقلت شبكة تهريب الكبتاغون التي أسسها نظام بشار الأسد، إلى السويداء، ما أتاح للهجري و”الحرس الوطني” الاستفادة من عمليات تهريب المخدرات إلى الأردن.
وإلى جانب العوائق الاقتصادية التي تجعل تقرير المصير غير قابل للاستمرار، لا يبدي المجتمع الدولي اهتماماً بدعم الحكم الذاتي للدروز أو استقلالهم.
وبالنسبة للأردن، من شأن قيام دولة درزية مستقلة على حدوده عرقلة وصول المملكة المباشر إلى دمشق، وإجبارها على سلوك طريق أطول للوصول. وإلى جانب دعم الأردن لحكومة الشرع، تعارض عمّان بشدة قيام دولة تعتمد على تجارة المخدرات على حدودها.
أما من منظور لبنان، فإن إقامة حكم ذاتي إقليمي قائم على الطائفية أو انفصال مناطق عن سوريا من شأنهما الإخلال بالتعايش الاجتماعي، الهش في الأساس، بين الطوائف الدينية المتنوعة في لبنان، فضلا عن تهديد وحدة أراضيه.
ولا يبدي الغرب بدوره حماساً يذكر لفكرة قيام دولة درزية مستقلة، فالمجال الذي يسيطر عليه الهجري في السويداء يخضع لحكم ديني ثيوقراطي تتولاه ثلاث عائلات دينية، ويحظى بدعم فلول نظام الأسد.
وبالنسبة لـ”إسرائيل”، فإن تمويل الهجري و”الحرس الوطني”، فضلاً عن دعم حملتهما للعلاقات العامة على المستوى الدولي، لا يعني بالضرورة دعماً صريحاً للحكم الذاتي أو الاستقلال.
ورغم أن اقتراح الهجري بضم “إسرائيل” للسويداء وتحويلها إلى “جزء لا يتجزأ من الإطار الاستراتيجي الإسرائيلي” قد يتيح توسيع المنطقة العازلة الأمنية القائمة بمحاذاة مرتفعات الجولان المحتلة، تتطلب إقامة منطقة عازلة متصلة جغرافياَ من “إسرائيل” أيضاً ضم محافظة درعا، ذات الأغلبية السنية، والتي تقع بين الجولان والسويداء، وهو ما من شأنه أن يضع تل أبيب أمام معضلة تتمثل في الاختيار بين ضم سكان معادين لها أو تهجيرهم قسراً على أساس عرقي.
وفي غياب أي دعم خارجي لحق الدروز في تقرير مصيرهم، تتجه السويداء، في أسوأ الأحوال، نحو كارثة. أما في أفضل الأحوال، فقد تتحول إلى كيان أولي غير قابل للاستمرار يعتمد على تجارة المخدرات، ويخضع لديكتاتورية دينية ثيوقراطية تفتقر إلى التشاور مع السكان المحليين، والعلاقات الخارجية الرسمية، والاعتراف الدولي، والموارد الزراعية والطبيعية، والفرص الاقتصادية المتاحة للشباب.
ورغم أن دمشق تستطيع بسهولة استعادة السيطرة على المحافظة بالقوة، فإن احتمال التدخل الإسرائيلي يظل كبيراً للغاية بالنسبة لبلد لا يزال يعاني تداعيات 14 عاماً من الدمار.
ولكن الشرع قد لا يحتاج إلى استخدام القوة، و”بدلاً من ذلك، ليس على دمشق سوى الانتظار حتى يثور الشباب الدروز على الهجري والحرس الوطني التابع له. وقد يؤدي اليأس والعزلة ومحدودية فرص الحراك الاجتماعي والاقتصادي والفقر المدقع في السويداء إلى اندلاع انتفاضة داخلية”.
وفي يونيو/حزيران 2026، تعذّر على أكثر من 13 ألفاً من طلاب المرحلة الثانوية في السويداء التقدم للامتحانات الوطنية في دمشق، ما أشعل احتجاجات في المدينة. ولا يزال من غير الواضح من الذي منع الطلاب من السفر إلى العاصمة، “الحرس الوطني” التابع للهجري، أم قوات الأمن الحكومية.
ولا تقل الصلة التاريخية الوثيقة بين المجتمع الدرزي والقومية السورية والقومية العربية ومناهضة الاستعمار، أهمية عن ذلك، وهي صلة تجعل وحدة الأراضي السورية مبدأ راسخاً لا يقبل المساومة لدى الدروز.
وانطلاقاً من هذا الإرث، “يتعين على الحكومة الانتقالية العمل على بناء دولة جامعة، ودحض الروايات التي تزعم أن ملامح سوريا في حقبة ما بعد الأسد ستتحدد وفقاً لنزعة استعلائية لدى الأغلبية تؤدي إلى تهميش الأقليات وإقصائها”.
وفي نهاية المطاف، “تبدو فرص تحقيق الحكم الذاتي المحلي ضئيلة، كما أن احتمال الانفصال عن الأراضي السورية يظل محدوداً. وليس على دمشق سوى التريث وانتظار انفجار الأوضاع داخل السويداء بفعل الاحتقان بين سكانها المحليين”.
ولهذا السبب، يضم مجلس الشعب السوري، الذي أعيد افتتاحه حديثاً، ثلاثة مقاعد شاغرة مخصصة للسويداء، لا تزال في انتظار من يشغلها.

