في كل عام، ومع حلول شهر تشرين الأول، تتجه أنظار العالم إلى السويد والنرويج لمتابعة إعلان أسماء الفائزين بجوائز نوبل، في مجالات العلوم والأدب والسلام والاقتصاد. أسماء قد تكون معروفة على نطاق واسع، وأخرى لا يعرفها الجمهور قبل لحظة الإعلان، لكنها تكون قد حققت إنجازاً اعتبرته الجهات المانحة للجائزة ذا أثر استثنائي على البشر.
لكن خلف هذه الجائزة قصة بدأت قبل أكثر من 120 عاماً، مع رجل جمع ثروة هائلة من اختراعاته، ثم قرر في وصيته أن يخصص القسم الأكبر منها لمكافأة أشخاص قدموا، بحسب رؤيته، “أكبر فائدة للبشرية”.
من هو ألفريد نوبل؟
وُلد ألفريد نوبل في ستوكهولم عام 1833، وكان مخترعاً وكيميائياً ورجل أعمال سويدياً. ارتبط اسمه خصوصاً باختراع الديناميت، بعدما نجح في جعل مادة النتروغليسرين شديدة الانفجار أكثر استقراراً وقابلية للاستخدام الصناعي.
لم يكن نوبل مجرد مخترع، بل بنى إمبراطورية صناعية واسعة، وأنشأ مصانع ومختبرات في عدد من الدول، وحصل خلال حياته على 355 براءة اختراع، وجمع ثروة كبيرة.
وفي 10 كانون الأول عام 1896، توفي نوبل في سان ريمو الإيطالية، عن عمر 63 عاماً.
لكن المفاجأة الكبرى جاءت بعد وفاته، عندما كُشفت وصيته.
وصية غيّرت مصير ثروته
في 27 تشرين الثاني 1895، وقّع ألفريد نوبل وصيته الأخيرة، وقرر فيها تخصيص الجزء الأكبر من ثروته لإنشاء صندوق تُستخدم عائداته السنوية لمنح جوائز إلى أشخاص قدموا “أكبر فائدة للبشرية”.
وكانت وصيته واضحة في أن الجائزة لا ينبغي أن ترتبط بجنسية الفائز، بل بما قدمه من إنجاز.
وأثارت الوصية جدلاً كبيراً بعد وفاته، إذ لم تكن مهمة تنفيذها سهلة، وواجهت اعتراضات من أقاربه وسلطات مختلفة، قبل أن يتم تأسيس مؤسسة نوبل عام 1900 لإدارة الثروة وتنفيذ ما أراده نوبل. وفي العام التالي، بدأت الجوائز فعلياً.
خمس جوائز في البداية
حددت وصية نوبل خمس فئات أساسية للجائزة:
الفيزياء
الكيمياء
علم وظائف الأعضاء أو الطب
الأدب
السلام
وبدأت أولى جوائز نوبل تُمنح عام 1901.
أما جائزة العلوم الاقتصادية فلم تكن موجودة في وصية نوبل الأصلية. ففي عام 1968، أنشأ البنك المركزي السويدي جائزة “العلوم الاقتصادية في ذكرى ألفريد نوبل”، ومنحت للمرة الأولى عام 1969. ولذلك تُدرج اليوم إلى جانب جوائز نوبل، رغم أنها من الناحية التاريخية ليست إحدى الجوائز الخمس التي نص عليها نوبل في وصيته.
من يختار الفائزين؟
لا توجد لجنة واحدة تختار جميع الفائزين. فقد حدد نوبل في وصيته المؤسسات التي تتولى اختيار الفائزين في كل مجال.
فالأكاديمية الملكية السويدية للعلوم تختار الفائزين في الفيزياء والكيمياء والعلوم الاقتصادية، بينما يتولى معهد كارولينسكا جائزة الطب، والأكاديمية السويدية جائزة الأدب. أما جائزة نوبل للسلام، فلها مسار مختلف، إذ تختارها لجنة من خمسة أعضاء ينتخبهم البرلمان النرويجي.
وتبدأ عملية الترشيح قبل الإعلان بوقت طويل، من خلال دعوة أشخاص ومؤسسات مؤهلة إلى تقديم أسماء مرشحين، ثم تُدرس الترشيحات وتُجرى عملية تقييم واختيار طويلة قبل الوصول إلى الاسم النهائي.
لماذا جائزة السلام في النرويج؟
من أكثر التفاصيل إثارة للاهتمام أن جميع جوائز نوبل تُسلّم في السويد، باستثناء جائزة السلام التي تُسلّم في العاصمة النرويجية أوسلو.
نوبل نفسه نصّ على أن لجنة يختارها البرلمان النرويجي هي التي تمنح جائزة السلام، لكنه لم يشرح بشكل صريح في وصيته سبب اختياره النرويج تحديداً. ومن التفسيرات التاريخية المطروحة أن السويد والنرويج كانتا متحدتين سياسياً في تلك الفترة، وأن نوبل ربما رأى أن المؤسسات النرويجية مناسبة لهذه المهمة.
ماذا يحصل عليه الفائز؟
جائزة نوبل ليست مجرد شهادة أو ميدالية رمزية. يحصل الفائز على ميدالية، ودبلوم، ومبلغ مالي.
ويمكن أن تُقسّم الجائزة الواحدة بين ما يصل إلى ثلاثة فائزين، بحيث يحصل كل منهم على حصة من القيمة المالية للجائزة.
وتختلف القيمة المالية للجائزة عبر السنوات بحسب قرارات مؤسسة نوبل وإدارة أموالها، إذ إن مصدر تمويل الجوائز هو الثروة التي تركها نوبل والتي أُنشئ بها الصندوق.
حفل نوبل في 10 كانون الأول
اختير تاريخ 10 كانون الأول لإقامة مراسم توزيع الجوائز لأنه تاريخ وفاة ألفريد نوبل.
وتقام مراسم تسليم جوائز الفيزياء والكيمياء والطب والأدب والاقتصاد في ستوكهولم، بينما تقام مراسم جائزة السلام في أوسلو. ويحصل الفائزون عادة على فرصة لإلقاء محاضرات نوبل إلى جانب تسلّمهم الجوائز.
من الديناميت إلى إرث عالمي
المفارقة الأساسية في قصة نوبل أن الرجل الذي جمع ثروته من اختراعات مرتبطة بالمتفجرات ترك وراءه إرثاً عالمياً يرتبط اليوم بالعلم والأدب والسلام.
فبدلاً من أن تُذكر ثروته واختراعاته فقط، أصبح اسمه مرتبطاً بأشخاص قدموا اكتشافات علمية غيّرت حياة البشر، وأعمالاً أدبية تركت أثراً عالمياً، وجهوداً في مجال السلام، إضافة إلى الإنجازات الاقتصادية.
ومنذ انطلاقها عام 1901، تحولت الجائزة إلى مؤسسة عالمية تُسلّط الضوء سنوياً على إنجازات وأفكار وأعمال يُنظر إليها باعتبارها ذات أهمية استثنائية للبشرية.
وهكذا، لم تكن جائزة نوبل موجودة عندما توفي ألفريد نوبل؛ بل كانت آخر وصية له هي التي صنعتها. وفي غضون سنوات قليلة، تحولت الوصية التي أثارت الجدل إلى واحدة من أكثر الجوائز شهرة وتأثيراً في العالم.

