في السابق، أبدى الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي” تحفظا واضحا على الإعلانات، مع تحذيره من أن دمج الإعلانات بالذكاء الاصطناعي قد يثير مخاوف تتعلق بثقة المستخدم واستقلالية الإجابة.
وتغير هذا الموقف مع بدء الشركة اختبار الإعلانات داخل روبوت الدردشة عبر الاشتراك المجاني والاشتراك المنخفض التكلفة، في خطوة وصفتها “أوبن إيه آي” بأنها تدعم الوصول والاستثمار المستمر.
لكن هذا التغيير أثار نقاشا حول مستقبل نماذج الأعمال في قطاع الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومثَّل إشارة إلى تغيير عميق في كيفية تمويل الصناعة بأكملها.
من المعاينة المجانية إلى نموذج الإيرادات الهجين
عندما أطلقت “أوبن إيه آي” روبوت الدردشة “شات جي بي تي” في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، قدمته بوصفه معاينة بحثية مجانية، ولم يكن الاشتراك المدفوع هو أساس نموذج إطلاقه.
وبعد شهرين، في فبراير/شباط 2023، أطلقت الشركة اشتراك “شات جي بي تي بلس” مقابل 20 دولارا شهريا، مع استمرار إتاحة نسخة مجانية من الخدمة، لتبدأ بذلك مرحلة بناء نموذج إيرادات هجين يجمع بين الوصول المجاني والاشتراكات المدفوعة.
ومع نمو الخدمة، توسع نموذج الإيرادات إلى مستويات متعددة، من الاستخدام المجاني إلى الاشتراكات المدفوعة، وصولا إلى “شات جي بي تي غو” بوصفه اشتراكا منخفض التكلفة يمنح المستخدم حدود استخدام أعلى وميزات إضافية، إلى جانب الخطط الأكثر تقدما للأفراد والشركات والمؤسسات.
وفي يناير/كانون الثاني 2026 أعلنت “أوبن إيه آي” أنها تعتزم اختبار الإعلانات عبر الاشتراك المجاني والمنخفض التكلفة، مبررة ذلك بالرغبة في توسيع الوصول إلى قدرات الذكاء الاصطناعي وتقليل الحاجة إلى الدفع للحصول على استخدام أوسع، مع تأكيدها أن الاشتراكات الأخرى تظل خالية من الإعلانات.
وبدأ الاختبار في الولايات المتحدة، مع توسعه تدريجيا إلى دول أخرى، من بينها بريطانيا والمكسيك والبرازيل واليابان وكوريا الجنوبية، قبل وصول الإعلانات إلى 31 سوقا أوروبية في أغسطس/آب، ومن ثم إلى 7 دول إضافية في جنوب شرق آسيا وتايوان في سبتمبر/أيلول، لتتجاوز الخدمة 60 دولة.
وقالت الشركة في سبتمبر/أيلول 2026 إن منصتها الإعلانية تجاوزت معدل إيرادات سنوي قدره مليار دولار خلال 200 يوم، مع عشرات الآلاف من المعلنين، حيث ربطت الإعلانات بتكاليف البنية التحتية والاستثمار المستمر في الاشتراك المجاني والمنخفض التكلفة.
وبدل أن تتحمل “أوبن إيه آي” وحدها تكلفة تقديم الخدمة إلى المستخدم المجاني، فإنها تدخل “مُعلِنا” يدفع مقابل الوصول إلى ذلك المستخدم، بحيث يبقى بعض الوصول مجانيا أو منخفض التكلفة، بينما تتحول المنصة نفسها إلى سوق إعلاني.
الإعلان يقرأ سياق الحادثة دون أن يكتب الإجابة
يرتبط الاختلاف الأساسي بين الإعلان داخل “شات جي بي تي” والإعلان التقليدي بأن منصتها الإعلانية تعتمد على سياق المحادثة كاملة، وليس على كلمة بحث منفردة فقط.
وتوضح “أوبن إيه آي” أن منصتها الإعلانية تختار الإعلانات بناء على الصلة المتوقعة والنتائج المحتملة، وتأخذ في الاعتبار موضوع المحادثة الحالية ونية المستخدم، إضافة إلى عناصر الإعلان وصفحة الهبوط والمعلومات التي يقدمها المعلن عن الحملة.
وعند تفعيل تخصيص الإعلانات، تستطيع المنصة الإعلانية استخدام إشارات محددة من تجربة المستخدم الأوسع داخل “شات جي بي تي”.
ويعني هذا أن المستخدم الذي يتناقش مع روبوت الدردشة بشأن شراء حاسوب جديد قد يرى إعلانا لمنتج أو خدمة مرتبطة بالسياق الذي يتحدث عنه.
لكن المنصة الإعلانية، وفق ما توضحه الشركة، تحتفظ بإشارات الاستهداف داخل منظومة “شات جي بي تي” نفسها، دون أن تعتمد على نموذج يسلم المعلن ملفا يحتوي على تاريخ المستخدم.
وتشمل هذه الإشارات، بحسب الإعدادات، ما يناقشه المستخدم في المحادثة الحالية، وسياقا أساسيا، مثل اللغة والموقع العام، إضافة إلى المحادثات السابقة والذاكرة والتفاعلات مع الإعلانات، إذا كان تخصيص الإعلانات مفعلا.
ويظهر الإعلان أسفل إجابة “شات جي بي تي ، بشكل منفصل عنها بصريا مع توضيح أنها محتوى ممول، بدل دمجه داخل النص الذي يولده النموذج.
وتقول “أوبن إيه آي” إن الإجابات لا تتغير بسبب الإعلانات، وإن المحتوى الإعلاني منفصل عن الإجابة التي يقدمها النموذج.
وبالنسبة للمعلن، فإنه يحصل على بيانات مجمعة عن أداء الإعلانات، مثل المشاهدات والنقرات، دون الحصول على المحادثات أو سجلها أو الذاكرة أو الاسم أو البريد الإلكتروني أو الموقع الدقيق أو المعلومات الحساسة.
وإذا بدأ المستخدم محادثة مباشرة مع جهة معلنة من خلال الإعلان، فإن الجهة ترى الرسائل التي يرسلها المستخدم إليها في تلك المحادثة، وليس بقية تاريخه مع “شات جي بي تي”.
من بطاقة إعلانية إلى وكيل يتحدث باسم المعلن
لا يتوقف طموح “أوبن إيه آي” عند وضع إعلان أسفل الإجابة، إذ أعلنت في 16 سبتمبر/أيلول 2026 اختبار صيغة جديدة باسم “الوكلاء الممولين”، تسمح للمستخدم، بعد النقر على إعلان، ببدء محادثة مع وكيل ذكاء اصطناعي يمثل جهة معلنة.
وتغير هذه الصيغة طبيعة الإعلان نفسه، إذ بدل أن تكتفي العلامة التجارية بعرض اسم المنتج وصورته، يصبح بإمكان المستخدم طرح أسئلة مباشرة على وكيل تابع لها، والاستفسار عن خصائص المنتج أو الخيارات المتاحة أو التفاصيل التي يحتاج إليها قبل اتخاذ قرار الشراء.
وتؤكد “أوبن إيه آي” أن هذه المحادثة تظل واضحة بوصفها تجربة ممولة، وأن “الوكلاء الممولين” لا يزالون في اختبار محدود مع معلنين مختارين.
ومن الناحية الاقتصادية، يختلف الإعلان داخل “شات جي بي تي” عن الإعلان التقليدي في أنه يتيح للمعلن الوصول إلى المستخدم في سياق اتخاذ القرار، حيث يستخدم الناس روبوت الدردشة للاستكشاف والمقارنة والاختيار.
ويقترب الإعلان هنا من بيع السياق والنية بدل بيع مساحة عبر الشاشة، وتراهن “أوبن إيه آي” على أن هذه اللحظات قد تصبح ذات قيمة تجارية للمعلنين.
وطورت “أوبن إيه آي” أدوات للمعلنين تسمح بإنشاء الحملات وإدارتها وقياس المشاهدات والنقرات والإنفاق ونسب النقر إلى الظهور ومتوسط تكلفة النقرة ومتوسط تكلفة الألف ظهور، إلى جانب أدوات قياس التحويلات. كما أعلنت عن تكاملات مع “هاب سبوت” و”شوبي” داخل منظومة الإعلان.
الخصوصية هي الاختبار الأصعب للنموذج
تختلف حساسية الإعلان داخل روبوت المحادثة عن الإعلان في كثير من المنصات الرقمية بسبب طبيعة المعلومات التي يخبرها المستخدم لروبوت المحادثة، والتي قد تشمل تفاصيل شخصية ومهنية وصحية وعاطفية، مع استخدامه لروبوت المحادثة بصفته مساعدا في قراراته اليومية.
ولذلك، تقول “أوبن إيه آي” إنها وضعت مجموعة مبادئ تحكم نموذجها الإعلاني، من أبرزها استقلالية إجابة النموذج عن الإعلان، والحفاظ على خصوصية المحادثات، وعدم بيع بيانات المستخدمين للمعلنين، ومنح المستخدمين أدوات للتحكم في تخصيص الإعلانات.
وتوضح الشركة أن الإعلانات لا تظهر للحسابات التي تحدد أنها تعود إلى أشخاص دون 18 عاما، كما لا تظهر بجوار المحادثات المتعلقة بموضوعات حساسة أو منظمة، من بينها الصحة والصحة النفسية والسياسة.
ويستطيع المستخدم إيقاف تخصيص الإعلانات ومسح البيانات المستخدمة لهذا الغرض. وتقول الشركة إن حذف بيانات الإعلانات بالكامل من أنظمتها قد يستغرق حتى 30 يوما.
لكن الضمانات التقنية لم توقف الانتقادات العلنية ولم تنهِ الجدل حول الثقة في الاستقلالية، حيث وجه السيناتور الأمريكي إد ماركي في يناير/كانون الثاني 2026 رسالة إلى سام ألتمان “الرئيس التنفيذي لـ”أوبن إيه آي”، طالب فيها بتوضيحات حول حماية المستخدمين، خصوصا القاصرين، من الاستغلال التجاري للمحادثات الشخصية.
كما استقالت الباحثة زوي هيتزيغ من “أوبن إيه آي” في اليوم الذي بدأت فيه الشركة اختبار الإعلانات، وربطت استقالتها بالمخاوف من الاتجاه الذي قد يقود إليه النموذج التجاري الجديد.
ويرى الباحث الأكاديمي إنريكي دانس أن الخطر يرتبط باحتمال اعتقاد المستخدم بحدوث تلاعب، لأن مجرد الشك في أن التوصية متأثرة بمصلحة تجارية قد يقوض الثقة في روبوت المحادثة.
لماذا تحتاج “أوبن إيه آي” إلى الإعلان الآن؟
يتطلب تشغيل النماذج مراكز بيانات ووحدات معالجة وذاكرة وشبكات وطاقة، فضلا عن الإنفاق المستمر على تدريب النماذج وتطويرها.
وفي 18 سبتمبر/أيلول 2026، نقلت وكالة رويترز، استنادا إلى تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز”، أن “أوبن إيه آي” تتوقع تسجيل تدفق نقدي حر سلبي قدره 278 مليار دولار بين عامي 2026 و2030.
وتشير التوقعات نفسها إلى ارتفاع الإيرادات من 36 مليار دولار في عام 2026 إلى 350 مليار دولار في عام 2030، مع إيرادات تراكمية متوقعة بنحو 840 مليار دولار خلال الفترة حتى نهاية العقد.
وتتوقع الشركة إنفاق نحو 856 مليار دولار على الحوسبة والبنية التحتية حتى نهاية العقد، مما يجعله أكبر بند إنفاق لديها في تلك التوقعات.
ونتيجة لذلك، تصبح الإعلانات جزءا من إستراتيجية أوسع لتنويع مصادر الإيرادات إلى جانب اشتراكات المستهلكين، والمنتجات المؤسسية، وواجهات برمجة التطبيقات، والخدمات القائمة على الاستخدام.
وقد أعلنت “أوبن إيه آي” أن الإعلان يمثل أحد أعمدة نموذج أعمالها المتنوع، وأن الهدف هو استخدامه لدعم الوصول المجاني والمنخفض التكلفة إلى “شات جي بي تي”.
كيف تتعامل المنافسة مع نموذج الإعلانات؟
قرار “أوبن إيه آي” قد أثر بشكل واضح في مواقف المنافسين، حيث أكد ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة “غوغل ديب مايند” في يناير/كانون الثاني 2026 أن غوغل لا تخطط حاليا لعرض إعلانات داخل “جيميناي”.
وأبدى هاسابيس استغرابه من تسرع المنافسين في خطوة تحقيق الدخل مبكرا، وأكد أن تركيز غوغل الأساسي ينصب حاليا على بناء الثقة وتطوير قدرات روبوت المحادثة لكي يكون مفيدا وموثوقا دون تحيز إعلاني.
لكن هذا الموقف لا يعني ابتعاد غوغل عن الإعلانات في تجارب البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حيث أشارت في مايو/أيار 2026 إلى اختبارها أشكالا جديدة للإعلانات داخل “وضع الذكاء الاصطناعي”.
أما “أنثروبيك”، الشركة المطورة لنموذج “كلود”، فقد اتخذت موقفا مختلفا، حيث قالت في فبراير/شباط 2026 إن نموذجها يظل خاليا من الإعلانات، وإنها ترى أن إدخال الإعلانات في المحادثات يتعارض مع الصورة التي تريدها لروبوت المحادثة بوصفه أداة للعمل والتفكير العميق.
في حين اختبرت “بيربليكستي” عرض الإعلانات في نموذجها، لكنها تراجعت عن التجربة، وقالت إن الإعلان قد يضر بثقة المستخدم في الإجابات التي ينتجها النموذج، وقررت التركيز على إيرادات الاشتراكات.
ختاما، لم تعد الشركات التي تنفق مليارات الدولارات لبناء النماذج وتشغيلها تراهن على الاشتراكات وواجهات برمجة التطبيقات والخدمات المؤسسية وحدها، إنما بدأت تبحث عن طرق تتيح لها تحويل لحظة تشكل نية المستخدم إلى مصدر دخل جديد، وهنا تكمن الفرصة الاقتصادية الأكبر، وفي الوقت نفسه مصدر الخطر الأكبر على الثقة.

