من انسحاب 2011 إلى 2026.. ماذا بقي من العراق بعد أميركا؟

بعد أكثر من عقدين على دخول القوات الأميركية العراق، تطوي بغداد اليوم صفحة الوجود العسكري للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، مع مغادرة آخر القوات المتبقية.

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية خلو البلاد رسميًا من الوجود العسكري للتحالف، بالتزامن مع احتفالات رسمية تحت عنوان “أيام السيادة”، فيما تدخل العلاقة بين بغداد وواشنطن مرحلة جديدة يفترض أن تتركز بصورة أكبر على التعاون الأمني والاستخباراتي والاقتصادي، بدل الانتشار العسكري المباشر.

لكن خروج آخر القوات الأجنبية لا يمكن فصله عن بداية الحكاية نفسها، الغزو الأميركي للعراق عام 2003، والحرب التي بدأت بذريعة امتلاك نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل، ثم تحولت إلى احتلال وإعادة بناء للنظام السياسي والأمني في البلاد، قبل أن تنتهي المرحلة الأولى بالانسحاب الأميركي عام 2011، وتعود القوات بعد ثلاث سنوات فقط في مواجهة تهديد جديد حمل اسم “داعش”.

أسلحة دمار شامل غير موجودة!

في آذار 2003، بدأت الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفاؤهما الحرب على العراق، في عملية عسكرية أُطلق عليها اسم “حرية العراق”، وانتهت سريعًا بإسقاط نظام صدام حسين واحتلال القوات الأميركية بغداد.

كانت الحجة المركزية التي قدمتها إدارة الرئيس جورج بوش هي أن العراق يمتلك برامج وأسلحة دمار شامل، وأن نظام صدام حسين يشكل خطرًا على الأمن الدولي. كما طُرحت اتهامات بشأن صلات بين بغداد وتنظيم القاعدة والإرهاب الدولي.

لكن الأسلحة التي شكلت جوهر الذرائع الأميركية للحرب لم تظهر بعد الغزو.

وفي كانون الأول 2004، خلصت مجموعة مسح العراق، التي شكّلتها الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا للبحث عن برامج أسلحة الدمار الشامل، إلى عدم العثور على مخزون عراقي من أسلحة الدمار الشامل، كما خلص التحقيق بشأن الملف النووي إلى أن العراق لم يكن يمتلك سلاحًا نوويًا ولم يكن قد أعاد بناء قدرته على إنتاجه بعد عام 1991.

وكانت فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة قد أشارت، قبل الحرب أيضًا، إلى أنها لم تجد أدلة تؤكد السيناريوهات التي طرحتها الإدارة الأميركية بشأن استمرار برامج الأسلحة المحظورة.

أما على المستوى الدولي، فلم يصدر عن مجلس الأمن قرار جديد يجي استخدام القوة في آذار 2003. وبحسب وثيقة للأمم المتحدة تؤرخ للأزمة، سحبت الولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا مشروع قرار جديد بعدما عجزت الدول الثلاث عن تأمين الأصوات التسعة اللازمة لتمريره، وبدأ الغزو في 19 آذار من دون تفويض جديد من مجلس الأمن.

وبعد سنوات، قال الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان إن الحرب لم تكن متوافقة مع ميثاق الأمم المتحدة، في موقف عكس الجدل القانوني والسياسي الذي رافق الحرب منذ بدايتها.

ماذا فعل الأميركيون بعد إسقاط نظام صدام؟

لم تنتهِ المهمة بسقوط بغداد.. بعد إسقاط النظام، تولت “سلطة الائتلاف المؤقتة” إدارة العراق، وبدأت عملية إعادة تشكيل مؤسسات الدولة.

وفي 16 أيار 2003 صدر قرار اجتثاث البعث، الذي نص على إزالة قيادات حزب البعث من مواقع السلطة ومنع كبار أعضائه من العمل في القطاع العام.

وبعد أيام، صدر القرار الذي أدى إلى حل الجيش العراقي وأجهزة عسكرية وأمنية أخرى، ما ترك مئات آلاف العسكريين والموظفين من دون وظائف، وأُعلن أن الجيش العراقي سيعاد بناؤه من الصفر.

في الوقت نفسه، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها عملية بناء مؤسسات سياسية جديدة، وصولًا إلى مجلس الحكم والانتخابات والدستور والحكومة المنتخبة.

ومع انهيار مؤسسات الدولة القديمة، تصاعد المواجهة المسلحة ضد القوات الأميركية، وظهرت جماعات مسلحة متعددة، ثم دخل العراق في موجة من العنف الطائفي بلغت ذروتها في منتصف العقد الأول من القرن الحالي.

وبين 2006 و2008، أدت أعمال العنف الطائفي إلى نزوح نحو 1.6 مليون عراقي، فيما بلغ إجمالي النازحين داخل البلاد بين 2.3 و2.6 مليون شخص عام 2011 وفق بيانات مركز رصد النزوح الداخلي.

وفي تلك السنوات، ارتفع الوجود العسكري الأميركي إلى مستويات كبيرة. وبلغ عدد القوات الأميركية في العراق نحو 169 ألف جندي في آب 2007، خلال مرحلة زيادة القوات المعروفة باسم “الصحوة” أو “الزيادة العسكرية”.

الانسحاب الأميركي التدريجي

وفي كانون الأول 2011، غادرت آخر القوات الأميركية المقاتلة العراق، بعدما نص الاتفاق الأمني بين بغداد وواشنطن على مغادرة جميع القوات بحلول نهاية العام. وتحوّل الدور الأميركي في المرحلة الأخيرة من العمليات القتالية إلى تقديم المشورة والمساعدة للقوات العراقية.

احتفل الرئيس الأميركي باراك أوباما آنذاك بعودة القوات إلى الولايات المتحدة، معلنًا انتهاء الحرب الأميركية في العراق.

كان المشهد يبدو كأنه نهاية فصل دام قرابة تسع سنوات، لكن النهاية لم تكن نهائية.

العودة

عام 2014، تغير المشهد جذريًا، تمكن تنظيم “داعش” من السيطرة على مساحات واسعة من العراق وسوريا، وسقطت مدن عراقية كبرى بينها الموصل، فيما بدا أن الدولة العراقية تواجه تهديدًا يتجاوز قدرة قواتها في بعض المناطق.

وبطلب من الحكومة العراقية، عادت القوات الأميركية إلى العراق ضمن تحالف دولي تشكل لمحاربة تنظيم “داعش”.

وبعد سنوات من العمليات العسكرية، أعلن التحالف هزيمة “داعش” إقليميًا وفقدانه السيطرة على الأراضي التي كان يسيطر عليها، فيما استمرت مهام التدريب والاستشارة والدعم الاستخباراتي.

مع الوقت، تراجع حجم القوات الأميركية في العراق بصورة كبيرة.

وبموجب اتفاق بين بغداد وواشنطن أُعلن عام 2024، بدأ إنهاء مهمة التحالف العسكري ضد داعش بصورة تدريجية، على أن يكتمل الانسحاب في 30 أيلول 2026.

وبحلول اليوم، أعلنت بغداد انتهاء الوجود العسكري للتحالف داخل البلاد.

وتقول واشنطن إن القوات العراقية أصبحت قادرة على تولي مهمة مواجهة التهديد “الإرهابي” داخل العراق، بينما ينتقل التعاون مع بغداد إلى صيغة أقل اعتمادًا على الوجود العسكري المباشر وأكثر تركيزًا على المعلومات الاستخباراتية والتدريب والدعم الفني والتعاون المؤسسي.

وفي المقابل، لا يعني الانسحاب اختفاء الدور الأميركي من العراق.

فبحسب التقارير، ستُعاد بعض القدرات والقوات إلى الأردن، حيث تستمر مهمة إقليمية لمواجهة تنظيم “داعش”، فيما تحتفظ الولايات المتحدة بعلاقات أمنية ودبلوماسية واسعة مع بغداد. كما أن السفارة الأميركية في بغداد والقنصلية في أربيل تبقيان جزءًا أساسيًا من الحضور الأميركي في البلاد.

23 عامًا.. ماذا بقي؟

منذ آذار 2003 حتى أيلول 2026، تغير العراق أكثر من مرة.

بين الدخول الأول والخروج الأخير، دفع العراق ثمنًا بشريًا وسياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا هائلًا، فيما أعادت الحرب تشكيل مؤسسات الدولة وتوازنات القوى داخلها وعلاقاتها الإقليمية.

لذلك، فإن صورة آخر جندي أميركي يغادر العراق لا تعني ببساطة أن قصة بدأت عام 2003 انتهت عام 2026.

فالوجود العسكري ينتهي، لكن آثار الحرب التي بدأت بذريعة أسلحة لم تظهر، ثم تحولت إلى احتلال وإعادة تشكيل للدولة، وصولًا إلى حرب “داعش”، ستبقى جزءًا من المشهد العراقي لسنوات طويلة.

تغادر الولايات المتحدة العراق، وقد تركته بلداً منهكأً، يأكله الفساد، لا مقدرات لديه يستيطع التصرف بها منفرداً.

تركته بعد أن سرقت ثرواته، وأفقرت شعبه..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *