عودة: علينا ألا نجعل التعب يقودنا إلى اليأس والإنحراف 

وطنية – ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة، خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس.  بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: “يضعنا إنجيل اليوم أمام مشهد بسيط في ظاهره، لكنه يكشف سر حياة الإنسان مع الله. لقد تعب بطرس وسائر الصيادين طوال الليل ولم يصطادوا شيئا. ثم أتى المسيح، ودخل سفينة سمعان، وطلب منه أن يبتعد إلى العمق، وأن يلقوا الشباك للصيد. أجابه سمعان: «يا معلم، إنا قد تعبنا الليل كله ولم نصب شيئا، ولكن بكلمتك ألقي الشبكة». يختصر هذا القول مسيرة الإيمان كلها. فقد كان بطرس يعرف البحر أكثر مما يعرفه يسوع بحسب منطق الخبرة البشرية. كان يعرف متى يصطاد، وأين يلقي الشباك، وكيف يتعامل مع البحر. مع ذلك عاد صباحا بشباك فارغة. كأن الإنجيل يقول لنا أن الإنسان قد يمتلك الخبرة والذكاء والقدرة، وقد يبذل كل ما يستطيع، لكن حياته تبقى فارغة إذا عاش بمعزل عن الله”.

أضاف: “إنسان اليوم يملك وسائل لم تكن متاحة لأي جيل سابق، ويتواصل مع العالم كله، لكنه كثيرا ما يعجز عن التواصل مع قلبه. يستطيع أن يملأ وقته، لكنه لا يستطيع أن يملأ فراغه الداخلي، ويبقى في أعماقه عطشانا إلى معنى الحياة. المشكلة إذا ليست دائما في أن الشبكة فارغة، بل في أننا لا نعرف أين نلقيها. لذلك، لم يطلب المسيح من بطرس أن يجرب طريقة صيد أخرى، فهو لا يدعو الإنسان إلى تحسين سطح حياته، بل إلى النزول إلى عمق القلب. قال لبطرس: «تقدم إلى العمق وألقوا شباككم للصيد». يعرف الآباء أن هذا العمق هو موضع المعركة الحقيقية. القديس يوحنا الذهبي الفم يلفت إلى أن طاعة الرسل للمسيح ظهرت في تخليهم عن حساباتهم البشرية عندما سمعوا كلمته. الإيمان ليس أن نفهم أولا كل شيء ثم نطيع، بل أن نثق بالمسيح حتى عندما لا نفهم. قد يقول إنسان أنه حاول أن يصلح سلوكه، وأن يصلي، وأن يتغير ويتوب ويبدأ من جديد إنما دون جدوى. ما يحتاجه فعلا هو أن يدخل المسيح إلى سفينته. السفينة في الإنجيل صورة لحياتنا، والمسيح لا يقف بعيدا عن هذه الحياة متفرجا. إنه يطلب أن يدخل السفينة. يريد أن يدخل إلى أفكارنا وعائلاتنا وعلاقاتنا وعملنا وضعفنا وخطايانا التي نخجل من الإعتراف بها. وعندما يدخل المسيح إلى السفينة يحدث ما ليس متوقعا. عندما عمل بطرس بكلمة يسوع رأى الصيد الوفير، لكنه بدل أن يطلب المزيد من السمك، خر عند قدمي يسوع قائلا: «أخرج عني يا رب فإني رجل خاطئ».

وتابع: “المعجزة الأعمق هي أن الإنسان، حين يقترب من المسيح، لا يكتشف فقط عظمة الله، بل حقيقة نفسه أيضا. فهو مخلوق متكبر، أناني، جشع، يحسد ويقتل ويؤذي ويظلم ويدين. لذلك، تبدأ القداسة دائما من التواضع والتوبة. القديس إسحق السرياني يعتبر أن إقرار الإنسان بضعفه أمام الله ليس هزيمة، بل بداية طريق الخلاص. يقول:«طوبى للإنسان الذي عرف ضعفه لأن هذه المعرفة تصير له أساسا صالحا ومصدرا لكل خير. وحين يتواضع تحيط به الرحمة، لأن من عرف ضعفه لا يتكل على قوته بل يلجأ إلى الله بالصلاة، وينتظر معونته». فمن يعرف مرضه يستطيع أن يطلب الطبيب، أما من يظن أنه صحيح فلا يرى حاجته إلى المسيح. لهذا، كانت أولى كلمات المسيح لبطرس بعد اعترافه: «لا تخف». النعمة لا تعني أن الله لم ير خطايانا، بل أنه رآها ولم يتركنا فيها. كلمات الإنجيل ترتبط بكلمات الرسول بولس القائل في رسالة اليوم: «أنتم هيكل الله الحي». هذه هي غاية الدعوة. المسيح لا يريد أن يعطي الإنسان صيدا وفيرا وحسب، بل يريد أن يجعل الإنسان نفسه مسكنا لله. أن يكون الإنسان هيكلا لله يعني أن حياته لم تعد ملكا للأهواء وطريقا إلى الخطيئة. الجسد ليس أداة لإرضاء الأنا، والعقل ليس ملعبا للأفكار السيئة، والقلب ليس مكانا للتعلق بالأشياء الزائلة. فنحن، بحسب الرسول، «هيكل الله الحي»، لذلك لا يمكن أن نطلب حضور الله في حياتنا ونصر في الوقت نفسه على كل ما يطرد هذا الحضور منها. يقول: «لنطهر أنفسنا من كل أدناس الجسد والروح، ونكمل القداسة بمخافة الله».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *