عودة: الحرص على مصلحة الوطن بإقصاء الآخرين أو شتمهم أو تخوينهم يؤذي الوطن ويشرذمه
وطنية – ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: “سمعنا اليوم مثل العرس(مت22:2-14) الذي يكشف لنا دعوة الله النابعة من عمق محبته للإنسان، ومدى الحرية المعطاة للإنسان. يقول: «يشبه ملكوت السماوات إنسانا ملكا صنع عرسا لابنه». الملكوت ليس مجرد فكرة مستقبلية، ولا هو مجموعة من الفرائض التي يؤديها الإنسان ليطمئن إلى مصيره، بل هو عرس ووليمة وفرح ودخول في شركة مع الله. الملك يرمز إلى الله الآب الذي يدعونا إلى وليمة ابنه يسوع المسيح، ليس لأنه محتاج إلينا، بل لأنه يريد إشراكنا في محبته وحياته. لكن المأساة أن المدعوين «لم يريدوا أن يأتوا». منهم من تجاهل دعوة الملك والتفت إلى أعماله، والبعض رفضها «والباقون قبضوا على عبيده وشتموهم وقتلوهم» وهذه صورة عن رفض الأنبياء واضطهادهم في العهد القديم”.
أضاف: “يلامس هذا المثل جرح إنسان اليوم الذي يدعوه الله للعودة إليه،لكنه لا يستجيب لأنه مشغول بأمور دنياه. كم من مرة يسمع الإنسان صوت الله ثم يؤجل الإستجابة إلى أن يرتاح، أو ينتهي من عمله، أو تتغير ظروفه، أو يتقدم في العمر. وتمر السنوات، ويصبح التأجيل عادة، وتتحول الحياة إلى انشغال دائم بالأمور الزائلة، فيما يهمل الأمر الوحيد الذي لا يزول. قال الرب: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟» (مت 16: 26). إنسان هذا العصر يلهث وراء المال والسلطة والنجاح لكنه يشعر أن حياته فارغة. قد يملك وسائل اتصال لا تنقطع لكنه يفقد الإتصال بالله؛ وقد يعرف أخبار العالم كله لكنه لا يعرف ما يحدث في قلبه؛ وقد يملك آلاف الصور لكنه لا يرى حقيقة نفسه، وقد يمتلك الثروة والمركز والجاه والسطوة لكنه يفتقر إلى الغنى الحقيقي الذي يعطيه السلام والطمأنينة. المثل لا يتحدث فقط عن الذين رفضوا الدعوة، بل عن الرجل الذي دخل العرس «ولم يكن لابسا لباس العرس». «المدعوون كثيرون والمختارون قليلون» لأنهم ليسوا جميعهم مستعدين. الوجود في الكنيسة بالجسد قد يكون حضورا شكليا. يمكن للإنسان أن يحضر الصلوات، وأن يصوم، وأن يضع صليبا حول عنقه، وأن يحفظ كلمات الأسفار المقدسة، لكن قلبه بعيد عن المسيح. كذلك يمكن لإنسان أن يتغنى بحب الوطن لكن قلبه منشغل بأمور قد تنعكس ضررا على الوطن. الإنتماء الحقيقي للوطن كالإنتماء الحقيقي للكنيسة يتطلب تكريسا كاملا، صدقا واستقامة، وعيا وتمييزا بين ما هو للخير وما يؤدي إلى الهلاك. لباس العرس هو ثوب النعمة، أي الحياة الجديدة في المسيح، حياة المعمودية والتوبة وتطهير القلب المستمر. إنه الإنسان الجديد الذي يلبسه المؤمن بالمسيح. يقول الرسول بولس: « إلبسوا الرب يسوع المسيح ولا تصنعوا تدبيرا للجسد لأجل الشهوات» (رو 13: 14). المسيحية ليست مظهرا خارجيا، بل هي تغيير للإنسان من الداخل، حتى تصير حياة المسيح ظاهرة فيه”.
وتابع: “في رسالة اليوم يكشف لنا الرسول بولس مصدر هذه الحياة الجديدة إذ يقول: «الذي يثبتنا معكم في المسيح، وقد مسحنا، هو الله، الذي ختمنا أيضا، وأعطى عربون الروح في قلوبنا» (2كو1: 21-22). إن الله نفسه هو الذي يثبت المؤمن في المسيح، وهو الذي يمسحه ويختمه ويعطيه مواعيد الروح القدس. لذلك، الحياة المسيحية ليست مشروعا بشريا يعتمد على قوتنا. الله يدعونا ويمنحنا النعمة ويثبتنا؛ أما نحن فمدعوون إلى قبول النعمة والإستجابة لها بالتوبة والإيمان والتواضع والمحبة. هذا مهم جدا لإنسان اليوم الذي يعيش في عالم مضطرب تتقاذفه أعاصير الحروب وعواصف النزاعات والمشكلات المادية والإجتماعية والأخلاقية. كثيرون يظنون أن عليهم أن يكونوا أقوياء وأن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم، وأن يظهروا أن حياتهم كاملة. لكن الرسول يذكرنا بأن أساس ثباتنا ليس قدرتنا، بل الله الذي «يثبتنا في المسيح». فحين نضعف، الله لا يتخلى عنا؛ وحين نسقط، الطريق ليس مسدودا. النعمة تقيم الإنسان من سقوطه، وتعيد الرجاء إليه إن فتح لها قلبه. يكشف لنا المقطع الرسولي أمرا آخر بالغ الأهمية. يقول الرسول بولس: «لأني إن كنت أغمكم فمن الذي يسرني غير من أسبب له الغم؟» ويضيف: «فإني من شدة كآبة وكرب قلب كتبت إليكم بدموع كثيرة لا لتغتموا بل لتعرفوا ما عندي من المحبة بالأكثر لكم» (2كو 2: 3-4). هنا نرى قلب الراعي الحقيقي. بولس الرسول لا يوبخ من موقع المتكبر، ولا يصحح الآخرين لأنه يستمتع بإدانتهم، بل يكتب إليهم بدموع كثيرة لأنه يحبهم. فالحقيقة بلا محبة قد تتحول إلى قسوة، والنصيحة بلا دموع قد تتحول إلى إدانة، والغيرة على الإيمان بلا قلب متألم من أجل الخاطئ يمكن أن تتحول إلى كبرياء، والحرص على مصلحة الوطن بإقصاء الآخرين أو شتمهم أو تخوينهم يؤذي الوطن ويشرذمه. المسيح لم يدعنا إلى الفرح بسقوط الآخرين، بل إلى الحزن على خطاياهم والعمل لخلاصهم. القديس إسحق السرياني يربط كمال القلب بالرحمة. فالإنسان الذي امتلأ قلبه من رحمة الله لا يستطيع أن ينظر إلى ضعف أخيه ببرودة أو تشف أو لامبالاة”.
وختم: “أمامنا اليوم دعوتان متلازمتان: أن نلبس المسيح وتكون حياتنا مرآة لتعاليمه، وأن نحمل محبته إلى الآخرين. أن نطلب إلى الله أن يثبتنا في المسيح، وأن يجعل في قلوبنا «عربون الروح»، وأن يمنحنا قلب الرسول بولس الذي يستطيع أن يصحح بالحق، إنما بالدموع؛ ولا يقول للإنسان البعيد عن الله أنت مرفوض بل العرس مهيأ، والباب مفتوح، والمسيح يدعوك. فلا نؤجلن تلبية دعوة الله، إذ إن الإنسان لا يعرف كم بقي له من العمر. لنستجب اليوم، ولنتب بتواضع ونلبس ثوب المحبة، ولنثبت في المسيح الذي يثبتنا بنعمته. وعندما نصير نحن أنفسنا موضعا لفرح المسيح، نستطيع أن نحمل هذا الفرح إلى عالم يكثر فيه القلق والحزن والوحدة، فنكون شهودا للعرس الذي أعده الآب لابنه، وللمحبة التي «لا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق».

