أبلغت الولايات المتحدة، بصورة حاسمة، كُلّا من لبنان و”إسرائيل” أنها لن تنشر أي قوات أميركية على الأرض في جنوب لبنان لمراقبة تنفيذ اتفاق “المناطق التجريبية”، وفق ما كشفته مصادر سياسية لبنانية خاصة لـ”إرم نيوز”، ويعكس هذا القرار توجها أميركيا لتجنب الانخراط العسكري المباشر في مرحلة تعتبرها واشنطن الأكثر حساسية منذ بدء الترتيبات الجديدة جنوب الليطاني.
وقالت المصادر: “إن الإدارة الأميركية أبلغت الجانبين أنها تفضل إدارة العملية عبر ضباط الارتباط المنتشرين في بيروت وتل أبيب، والمرتبطين بالقيادة الوسطى الأميركية، بدلا من إرسال قوات ميدانية قد تتحول إلى أهداف محتملة لأي هجمات”. وفتح ذلك بابا جديدا من الخلاف حول هوية الجهة الثالثة التي ستتولى مراقبة المناطق التي ينسحب منها جيش الاحتلال الإسرائيلي ويتسلمها الجيش اللبناني.
وبحسب المصادر، فإن القرار الأميركي لا يرتبط فقط بالمخاطر الأمنية الحالية، بل أيضًا بحسابات استراتيجية أوسع تتعلق بتجنب تحويل الجنود الأميركيين إلى طرف مباشر في أي احتكاك مع حزب الله أو الفصائل المرتبطة بإيران.
وتتقاطع هذه المقاربة مع ما يراه مراقبون داخل المؤسسات الأمنية الأميركية، حيث لا تزال تجربة تفجير مقر مشاة البحرية الأميركية في بيروت العام 1983، الذي أدى إلى مقتل 241 عسكريا أميركيا، حاضرة في الذاكرة العسكرية والسياسية الأميركية، باعتبارها واحدة من أكثر العمليات دموية التي تعرضت لها القوات الأميركية في الشرق الأوسط.
كما أن نشر قوة أميركية داخل القرى الجنوبية سيمنح “حزب الله” مادة سياسية لتقديم الوجود الجديد باعتباره “احتلالا أميركيا”، وهو ما تحاول واشنطن تجنبه، مفضلة الاحتفاظ بدور الوسيط والمشرف السياسي بدلا من التحول إلى طرف ميداني في النزاع.
وأكدت المصادر أن واشنطن ترى أن إدارة العملية عبر ضباط التنسيق والقيادة الوسطى، مدعومة بوسائل الاستطلاع والأقمار الصناعية والطائرات المسيرة، تحقق الغاية نفسها دون المخاطرة بإرسال قوات إلى بيئة أمنية شديدة التعقيد.
ومع استبعاد الخيار الأميركي، انتقلت المفاوضات إلى المهمة الأكثر تعقيدا، وهي تحديد الجهة التي ستتولى مراقبة المناطق التجريبية والتحقق من خلوها من أي وجود عسكري لـ”حزب الله” بعد انتشار الجيش اللبناني.
وكشفت المصادر أن لبنان لا يزال يفضل أن تتولى قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” هذه المهمة، إذا جرى التوصل إلى قرار دولي يسمح باستمرارها بصيغة جديدة، انطلاقا من وجودها الميداني الطويل وخبرتها في الجنوب.
في المقابل ترفض “إسرائيل” هذا الطرح بشكل واضح، معتبرة أن اليونيفيل أخفقت خلال السنوات الماضية في منع “حزب الله” من إعادة بناء بنيته العسكرية جنوب الليطاني، وترفض منحها صلاحيات إضافية في آلية المراقبة الجديدة.
وبرزت إيطاليا خلال الأيام الأخيرة باعتبارها المرشح الأكثر جدية لتولي قيادة فريق مراقبة محايد، سواء بصورة منفردة أو ضمن قوة أوروبية محدودة، مستفيدة من استضافتها جولات التفاوض في روما، وعلاقاتها المتوازنة مع بيروت و”تل أبيب”، إضافة إلى خبرتها الطويلة داخل اليونيفيل.
كما يجري تداول خيارات أخرى، بينها تشكيل بعثة أوروبية متعددة الجنسيات، أو توسيع دور مراقبي الأمم المتحدة غير المسلحين، إلا أن أيا من هذه المقترحات لم يحظَ حتى الآن بتوافق نهائي بين الأطراف.
المصدر:اللواء

