هنيئاً للبنان الذي أهدى إلى الكنيسة والعالم هذه القامة الروحية والوطنية

وطنية – احتفلت الكنيسة المارونية وجمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات في لبنان وبلاد الانتشار بتطويب بطريرك لبنان الكبير الياس الحويك، خلال قداس احتفالي ترأسه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في باحة المقر الصيفي للبطريركية المارونية في الديمان، وعاونه الاساقفة: منير خيرالله ويوحنا علوان وجوزاف نفاع ويوسف سويف بمشاركة ممثل قداسة البابا لاوون الرابع عشر رئيس مجمع دعاوى القديسين في روما الكاردينال مارتشيللو سيميرارو، السفير البابوي المونسنيور باولو بورجيا وحشد من البطاركة والمطارنة الكاثوليك والرؤساء العامين للجمعيات الرهبانية ولفيف من الكهنة والرهبان الذين توافدوا من دول الانتشار.

وتقدم الحضور رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وعقيلته السيدة نعمة عون، رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام وعقيلته السيدة سحر بعاصيري، رؤساء الأحزاب والتيارات السياسية المسيحية وحشد كبير من النواب والوزراء الحاليين والسابقين والسفراء المعتمدين وأعضاء السلك القنصلي ورؤساء المؤسسات المارونية والروابط والجمعيات وحشد كبير من اللبنانيين من مختلف المناطق اللبنانية وبلاد الانتشار.

وخدمت القداس جوقة مشتركة مؤلفة من جوقة جمعية راهبات العائلة المقدسة، جوقة الاكليريكية المارونية في غزير وجوقة بيت العناية الالهية.

في بداية القداس، تقدّم ملتمس دعوى التطويب راعي أبرشية البترون من الكاردينال مارشيلو سيميرارو رئيس مجمع القديسين في الفاتيكان، في بداية الاحتفال بإعلان البطريرك المكرّم إلياس الحويّك طوباوياً، فيما سرد المطران يوحنا علوان سيرة حياة البطريرك الحويّك.

ثم تلا الكاردينال مارشيلو سيميرارو رئيس مجمع القديسين في الفاتيكان، المرسوم البابوي بإعلان البطريرك إلياس الحويّك طوباوياً، فيما حدّد مرسوم التطويب الخامس من حزيران من كل عام موعداً كنسياً للاحتفال بعيد الطوباوي البطريرك الحويّك. كما جرت إزاحة الستارة عن الأيقونة الرسمية للطوباوي الجديد، التي ستُعتمد بعد توقيع البطريرك مار بشارة بطرس الراعي عليها في الكنائس المارونية وفي مختلف الاحتفالات.

بعدها تم توزيع نسخ اعلان التطويب وإزاحة الستارة عن صورة الطوباوي التي علقت على مدخل الصرح.  

العظة

وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، القى البطريرك الراعي عظة بعنوان “مجد لبنان أعطي له”، قال فيها: “فلنغتنم هذه المناسبة بالشكر والتسبيح، ولنمجّد الله الذي يعمل في قديسيه، ويقيم في كل عصر شهوداً لإنجيله، يضيئون دروب الشعوب، ويتركون للأجيال إرثاً من الإيمان والرجاء والمحبة”.

أضاف: “في هذا الاحتفال التاريخي، يطيب لنا، باسم الكنيسة المارونية، أن نرحب بصاحب النيافة الكاردينال مارشيللو سيميرارو، الموفد الشخصي لقداسة البابا لاون الرابع عشر، الذي حضر ليعلن البطريرك مار الياس بطرس الحويك طوباوياً، وليُكتب اسمه بين الطوباويين في سجل الكنيسة الجامعة. إن صاحب النيافة يأتي حاملاً إلينا محبة الأب الأقدس، ومشاركاً إيانا فرحة هذا اليوم المبارك. فحضوركم بيننا، صاحب النيافة، هو علامة على الشركة العميقة التي تربط الكنيسة المارونية بكنيسة روما، وهو عربون محبة وتقدير من قداسة البابا لاون الرابع عشر لكنيستنا، التي بقيت، عبر تاريخها، ثابتة في أمانتها للإيمان الكاثوليكي، وشاهدة للمسيح في هذا المشرق العزيز. فهنيئاً لكنيستنا المارونية، وهنيئاً للموارنة في لبنان، وفي النطاق البطريركي، وفي بلدان الانتشار. وهنيئاً للكنيسة الجامعة بهذا الطوباوي الجديد. وهنيئاً لجمعية راهبات العائلة المقدسة المارونية، بنات الطوباوي مار الياس بطرس الحويك. وهنيئاً للبنان الذي أهدى إلى الكنيسة والعالم هذه القامة الروحية والوطنية، لأن الله شاء أن يشرق من هذه الأرض رجل عاش بشعار واحد: إلهي، رضاك”.

وتابع: “لقد جعل من رضا الله غاية حياته، فصار هذا الرضا مجداً للكنيسة، وبركة للبنان، ورجاءً للأجيال. وفي تاريخ الكنيسة رجال كثيرون، وفي تاريخ لبنان رجال عظام، أما البطريرك مار الياس بطرس الحويك، فقد جمع في شخصه سهر الراعي، وحكمة القائد، وقلب الأب، وإيمان القديس. كان الله محور حياته، وغاية رسالته، ومصدر قوته. وعاش شعاره الشهير: «إلهي، رضاك.» فلم يطلب يوماً مجداً لنفسه، بل سعى دائماً إلى مجد الله وخير الإنسان”.

وقال: “كانت رحمته بلا حدود. فما من قرار اتخذه إلا وكان ثمرة صلاة، وما من موقف اتخذه إلا وكان منطلقه الضمير والإيمان، ومرتكزه الاستقامة والعدالة والتواضع. وكان رجل العناية الإلهية، إذ آمن بأن الله هو الذي يقود الكنيسة والشعوب، ولذلك لم يعرف اليأس حتى في أصعب المراحل. وعندما ضربت المجاعة لبنان، لم يقف متفرجاً على آلام الناس، بل فتح، سنة 1916، أبواب الديمان وبكركي والأديار أمام الجائعين والمحتاجين، حتى إنه رهن بعض أملاك البطريركية لتأمين ما يلزم لإغاثتهم. وعندما كان يُسأل: «من يعوّض هذه الخسائر؟» كان يجيب بثقة المؤمن: «الله يدبّر.» ومن هنا استحق أن يُلقب بـ بطريرك الفقراء والمظلومين. وكان أيضاً رجل الرؤية والوطن. فقد رأى لبنان رسالة قبل أن يكون كياناً، وآمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة فيه. وعندما عاد الوفد اللبناني الأول من مؤتمر الصلح في باريس من دون أن يحقق النتائج المرجوة، اجتمع اللبنانيون من مختلف الطوائف في بكركي، وبايعوا البطريرك الحويك رئيساً للوفد اللبناني الثاني في الخامس عشر من تشرين الأول سنة 1919. ثم عاد وأوفد بعثة ثالثة برئاسة نائبه البطريركي العام المطران عبد الله الخوري”.

أضاف: “وهكذا حمل قديس لبنان قضية وطنه إلى مؤتمر السلام في باريس، ودافع عن حق شعبه في الحرية والكرامة واستعادة الأراضي التي سلختها عنه السلطة العثمانية، حتى استحق عن جدارة أن يُلقب ببطريرك لبنان الكبير، وأن يُذكر اسمه بين الرجال الذين أسهموا في ولادة الدولة اللبنانية. وقد قال فيه أحد الوزراء المسلمين السابقين: «إن البطريرك الحويك صنع معجزتين: الأولى إنشاء الكيان اللبناني، الذي انتزعه من أحشاء الانتداب الفرنسي، والثانية صمود هذا الكيان على امتداد قرن ونصف حتى يومنا هذا. وفي سنة 1926، وافق البطريرك الحويك على الدستور اللبناني، وأسهم في وضع فلسفته القائمة على التآلف في الاختلاف، وعلى ضرورة حماية الذاتيات والخصوصيات لجميع المكونات اللبنانية، بما يضمن العيش المشترك في إطار دولة ديمقراطية توافقية، تقوم على الشراكة بين مختلف مكوناتها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *