كيف يخدع الثوم الحشرات الناقلة للأمراض ويقضي على تكاثرها؟

كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون في جامعة ييل أن الثوم لا يقتصر دوره على كونه مكونًا غذائيًا شائعًا أو وسيلة تقليدية لطرد الحشرات، بل قد يشكل أداة فعالة وصديقة للبيئة في الحد من تكاثر بعض أخطر الحشرات الناقلة للأمراض، وفي مقدمتها البعوض وذبابة التسي تسي.

وبحسب الدراسة التي نُشرت الشهر الماضي (نيسان) في مجلة “Cell” العلمية، تمكن العلماء من تحديد مركب كيميائي موجود في الثوم يعرف باسم “ثنائي كبريتيد ثنائي الأليل”، تبين أنه قادر على التأثير بشكل مباشر على سلوكيات التزاوج ووضع البيض لدى عدد من الحشرات الضارة.

وأشار الباحثون إلى أن هذا الاكتشاف قد يفتح الباب أمام تطوير وسائل جديدة ورخيصة وآمنة لمكافحة الآفات، تعتمد على مركبات طبيعية مستخرجة من الفواكه والخضروات بدلًا من المبيدات الكيميائية التقليدية التي قد تسبب أضرارًا بيئية وصحية.

ولفتت الدراسة إلى أن فكرة استخدام الثوم ضد البعوض ليست جديدة بالكامل، إذ لطالما روّج البعض لاستخدامه كطارد للحشرات سواء عبر تناوله أو دهن الجلد به، إلا أن الدراسات السابقة لم تثبت فعالية قوية لهذه الأساليب، وكانت النتائج محدودة في أفضل الأحوال.

لكن الباحثين في الدراسة الجديدة لم يركزوا أساسًا على قدرة الثوم على طرد الحشرات، بل أجروا تحليلًا موسعًا شمل 43 نوعًا من الخضروات والفواكه بهدف البحث عن مركبات طبيعية يمكن أن تؤثر في سلوك الحشرات بطريقة مفيدة. وخلال هذه الاختبارات، برز مركب الثوم باعتباره من أقوى المركبات المرشحة للتأثير على الحشرات الضارة.

وأظهرت التجارب الأولية أن المركب الكيميائي المستخرج من الثوم قادر على تعطيل سلوكيات التزاوج ووضع البيض لدى ذبابة الفاكهة، كما أثبت تأثيرًا مشابهًا على أنواع من بعوض “الإيديس”، المعروفة بدورها في نقل أمراض خطيرة تصيب البشر، من بينها حمى الضنك والملاريا.

كما بينت النتائج أن المركب ذاته يؤثر أيضًا على ذبابة “التسي تسي”، التي تُعرف بأنها الناقل الرئيسي لمرض النوم لدى البشر في بعض المناطق الإفريقية، حيث يحد من قدرتها على التزاوج والتكاثر.

ومن خلال تجارب إضافية، اكتشف العلماء أن تأثير المركب لا يرتبط بحاسة الشم لدى الحشرات كما كان يُعتقد سابقًا، بل يعتمد على حاسة التذوق، وتحديدًا عبر مستقبل حسي يعرف باسم “TrpA1”.

وأوضحت الدراسة أن الثوم يبدو كذلك قادرًا على تنشيط جين مسؤول عن إفراز هرمون يتحكم في الشعور بالشبع لدى البعوض، وعندما تشعر الحشرة بالشبع فإنها تقلل من نشاطها المرتبط بالتزاوج أو وضع البيض، ما ينعكس مباشرة على قدرتها على التكاثر.

وأكد الباحثون أن أهمية هذه النتائج لا تقتصر على الثوم وحده، بل تمتد إلى إبراز فعالية ما يعرف بـ”الفحص النباتي” أو “Phytoscreening”، وهو أسلوب يعتمد على دراسة المركبات الطبيعية الموجودة في النباتات بهدف تطوير حلول آمنة ومنخفضة الكلفة لمكافحة الحشرات والآفات.

ورأى الفريق العلمي أن هذه النتائج قد تسهم مستقبلًا في إنتاج بدائل طبيعية للمبيدات الكيميائية التقليدية، بما يخفف من الأضرار البيئية ويؤمن وسائل أكثر أمانًا للحد من انتشار الحشرات الناقلة للأمراض حول العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *