الرضاعة الطبيعية نصائح لا تسمن عن جوع

لم تجد رئيسة لجنة المرأة والطفل النيابية عناية عز الدين أمام أزمة انقطاع حليب الأطفال ومستلزمات الغذاء الضرورية مع نموهم، سوى مهاجمة كارتيلات الحليب والأطباء والمستشفيات التي تصف أنواع حليب خاصة وهو برأيها موضوع يمكن حله بالاعتماد على حليب الأمهات والرضاعة الطبيعية. إلا أنها تناست أن هناك الكثير من الأطفال يحتاجون إلى تناول وجبات إضافية لا تستطيع الأم توفيرها في معظم الأحيان، فتلجأ إلى إشباع طفلها بوصفة حليب مناسب، كما أنها تناست أن هناك أمهات قد يعانين من الرضاعة ويضطررن إلى وضع مراهم وأخذ مضادات حيوية، فيصبح من الصعوبة تأمين رضعات سليمة للطفل، وهناك نساء مريضات بالسرطان قد يكنّ خضعن إلى استئصال اثدائهن فهل نحرمهن نعمة الأمومة في هذه الحالات؟

من السهل إطلاق التصريحات عندما لا يكون هناك أي تصور لحل أزمة اختفاء حليب الأطفال من الأسواق أو إطلاق صرخة مدوية مؤثرة في ضمائر المسؤولين عن الفساد والوزراء المعنيين والنواب المنتحبين لإنتاج الحلول الواجبة على الأقل لتأمين غذاء الأطفال حتى يعيشوا بشكل سليم وينموا بصحة جيدة.

حلول “راجح” المبتكرة

وبعيداً عن خزعبلات هدفها التهرب من المسؤولية في علاج المشكلة وهو أمر اعتاده اللبنانيون، إذ ما إن يرفع المواطن صوته للتعبير عن مشكلة يعاني منها، حتى يأتي المسؤول ويعلي السقف في مهاجمة “راجح” ويطرح حلولاً “مبتكرة” من نوع الحل بالدعوة إلى الإرضاع من الثدي. ولكن هنا يبقى تساؤل إذا أرادت النساء عدم الإرضاع وهو حق لهن، وبعيداً عن ذلك هل تمر الرضاعة الطبيعية دون مشكلات؟ فهي أيضاً تحتاج إلى مستلزمات غير متوافرة في الأسواق ومختفية من الأسواق مثل مضخات حليب الثدي ومكملات غذائية للأم المرضعة المدرة للحليب وحمالات الصدر الخاصة، وهل العودة إلى الطبيعة حسب التثقيف السائد حالياً والمتعلق بكل المشكلات التي تواجه اللبنانيين حل حقيقي؟ انقطع الدواء فقالوا استعملوا الأعشاب واغلوا الخبيزة بدل المضاد الحيوي، انقطعت اللحمة فقالوا كلوا من خير الأرض برغلاً وأرزاً، انقطع البنزين قالوا لنا اركبوا البيسكليت أو الحمار. أي بلد هذا وأي نصائح دون جدوى لا تحل أي مشكلة؟ يعني حلول “لا ترحم ولا تدع رحمة الله تنزل عليك”، كما يقول المثل الشعبي.

“نحن نعيش من قلة الموت، أعتذر منك يا ماما لأنك ستلد في لبنان”، جملة قالتها لنا إحدى الأمهات الحوامل تختصر الوجع والقلق على المستقبل مع انقطاع الدواء والحليب من الأسواق، وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة حتى بات من الصعب تأمين الغذاء السليم والأوضاع النفسية الجيدة للمرأة الحامل وطفلها.

السؤال البديهي لدى الزوجين اليوم، هل يمكننا تأسيس أسرة في بلدنا؟ أم أن القرار بات تحت رأفة مسؤولين جرّوا البلد إلى الهاوية وقضوا على أحلام كل شاب وصبية في إنجاب ولد.

المولود الجديد في لبنان هذه المرة لن يموت نتيجة الحرب أو بسبب الرصاص الطائش، إنما نتيجة انقطاع الحليب، فماذا لو استمرت الأوضاع على حالها؟ ما الحل والبدائل المطروحة في هذه الحالات؟ وماذا لو استمر انقطاع الحليب من الأسواق وتوقف وجود حليب في ثدي الأم؟ كيف سيعيش الأطفال؟

طبيخ: الحل ليس بحليب البقر

أوضح اختصاصي في طب الأطفال وحديثي الولادة الدكتور هيثم طبيخ أن “المشكلة الأساسية في الثقافة لأنها ضعيفة جداً في هذا المجتمع، والأم يجب أن تكون مستعدة ومجهزة نفسياً قبل ولادتها لكي تتمكن من الترضيع، وعند ولادة الطفل يجب أن يؤخذ إلى أحضان والدته وجسدها كي تبنى العلاقة بينهما وكي يستطيع البرولاكتين الهرمون المسؤول عن إفراز الحليب من إعطاء الأمر للدماغ كي يفرز الحليب للثدي. وفي أول أيام الرضاعة يخرج من المرأة مادة الكولوستروم أو اللبأ الوجبة الأولى التي يحصل عليها الطفل بعد الولادة وفوائده لا تعد ولا تحصى على صحة الطفل فيحتوي على كميات كبيرة من الخلايا الحية التي تدافع عن الطفل ضد الكثير من العوامل الضارة، أضف إلى ذلك أن المضادات الحيوية الضرورية للجهاز المناعي والموجودة في الكولوستروم أهم بكثير من الأخرى الموجودة في الحليب العادي، لأن الأول غني بما يعرف بالـ”لوكوسيت” أي خلايا الدم البيضاء التي تهاجم الفيروسات والبكتيريا. كما أنها تحمي الصغير من الجراثيم التي تستهدف حلقه وجهازه الهضمي، بمعنى أنه يأخذ مناعة من والدته لمدة 6 أشهر، بعد السنة الرضاعة غير ضرورية ولكن ما قبل هذه الفترة من الضروري الحصول عليها”.

وشدد طبيخ على أن “الوضع النفسي والاقتصادي والاجتماعي للمرأة يؤثر على إدرار الحليب لديها وعلى كميته وجودته، ففي حال عدم وجود تغذية متنوعة وجيدة مثل الألبان والحليب ومشتقاته، اللحوم على مختلف أنواعها، الخضار والفاكهة ينعكس ذلك سلباً على كمية الحليب. وفي لبنان لم يسلم أي قطاع وجميع مصادر الغذاء لم تعد متوفرة إضافة إلى الوضع النفسي المهم جداً، فيجب عدم تعرض المرأة الحامل للقلق والتوتر. ولا يجب أن ننسى أن المرأة المُرضعة يقوى جهازها المناعي ويحميها من سرطان الثدي والرحم ويقلل من اضطراباتها النفسية والكآبة بعد الولادة، وتساعد الرضاعة النفسية على خسارة الوزن بشكل أسرع”.

وفي هذا السياق تابع” اللجوء إلى حليب البقر والماعز خطأ كبير فهو ممنوع قبل السنة الأولى من عمر الطفل، فأمعاؤه لا تمتصه، لأن مادة الكازين مرتفعة جداً، يعني 20% بروتيين مصل اللبن و80% بروتيين كازين ولا يستطيع الطفل هضمه على عكس حليب الأم، جميع أنواع الحليب الحيواني ممنوع قبل بلوغ الطفل سنة. ناهيك عن أن لا حديد ولا معادن ولا غذاء سليماً موجود في الحليب الحيواني وهذا ينتج عنه مشكلات صحية عند الطفل”.

خليل: يجب الابتعاد عن الحزن

وأكّدت أخصائية التغذية فابيان خليل على أنهم ينصحون دائماً الحوامل بممارسة الرضاعة الطبيعية بسبب إيجابياتها العديدة فتوفر المناعة اللازمة منذ الصغر للطفل وتُبعد عنه جميع الأمراض الشائعة كأمراض التنفس، الحساسية، إضافة إلى إعطائه الغذاء الكامل والسليم فحليب المرأة هو كامل من جميع النواحي، والماء ليس بحاجة إليه الرضيع”.

وأوضحت أنه “الى جانب الغذاء والمناعة يؤمن حليب الأم علاقة قوية وصلبة بين المرأة وطفلها، كما يؤمن للمرأة العودة إلى وزنها قبل الولادة لأن الرحم يعود إلى حجمه الطبيعي بشكل أسرع ويحميها من سرطان الثدي والرحم. ونحن لا ننصح بمنتجات الحليب في الأسواق فهو غير كامل ولا يؤمن الغذاء السليم للطفل”.

وقالت: “في ظل الأوضاع المهيمنة على لبنان وعدم توافر الغذاء السليم أو ارتفاع أسعاره، اصبحت العديد من النساء الحوامل يستغنين عن الطعام، البروتيين والخضار والفاكهة من أجل شراء مستلزمات الولادة، وأصبح البحث عن الأصناف المدعومة التي تُشبّع الحاجة وليس الغذاء النظيف والصحي. ويجب الانتباه إلى العوامل الأخرى التي تتسبب في توقف الحليب من ثدي الأم ومنها الكآبة والقلق والحالة النفسية الصعبة وفي ظل مشكلات لبنان من الصعب أن نجد حالات إيجابية وبعيدة عن الحزن”.

عرفات: استفدنا من انقطاع الحليب

وأفادنا أخصائي امراض النساء والتوليد الدكتور أحمد عرفات أن “هذه الفترة كنا نحلم للوصول إليها، فمع انقطاع الحليب من الأسواق استطعنا الاستفادة من هذه الأزمة وأصبحت النساء يلجأن للرضاعة الطبيعية، وهذا بمثابة انتصار لنا بما تحمل في طياتها من ايجايبات لصحة المرأة والطفل. كما يجب الانتباه إلى الغذاء السيلم أثناء فترة الحمل، لأن الطفل قبل 6 أشهر يتأثر كثيراً بطعام أمه ويجب الابتعاد عن الكحول والتدخين وغيرها. وعلينا تعليم المرأة الحامل كيفية تجهيز نفسها للرضاعة الطبيعية، لأننا نفتقد الثقافة في هذا الموضوع والمستشفيات لا تقدم النصائح اللازمة قبل وبعد الولادة”.

حرمان الحوامل من الغذاء

وتقول ربة المنزل جنى “هناك العديد من الطعام المتوجب علينا تناوله أثناء فترة الحمل ولكن في ظل هذه الأوضاع المأسوية في لبنان نستغني عنها. أما في ما يتعلق بالرضاعة الطبيعية فهذا حق من حقوق طفلي”.

وتتساءل سارة الحامل في شهرها السابع “لا رضاعة طبيعية ولا حليب في الأسواق موجود فكيف سأرضع؟ كيف سيعيش طفلي؟ وأنا لا أملك الغذاء السليم ولا الحالة النفسية الجيدة إلى جانب انقطاع الفورمولا من الأسواق، لا يمكننا البقاء على هذه الوتيرة، فنحن نعيش من قلة الموت”، وتضيف وهي تضع يدها على بطنها: “أنا أعتذر منك يا ماما لأنك ستولد في لبنان”.

المصدر: ” لبنان الكبير “

Author: Christabel Najem

كريستابيل نجم كاتبة وصحافية لبنانية، عملت في مجال الصحافة المكتوبة وكتبت مقالات سياسية واجتماعية عديدة لمجلة “بي بيروت” الإلكترونية، كما أعدت برامج عديدة منها فنية، اجتماعية، ثقافية وسياسية لإذاعة “صوت لبنان” في الأشرفية.